دخول المسحية الى مصر
فترة الأنتقال من الوثنية إلى المسيحية

يعتقد علماء البرديات المصرية (ليس بالطبع مصريين ولكنهم علماء فى العالم كلة متخصصين فى تحليل البرديات تاريخياً وعلمياً وزمنياً .. ألخ ) أن هناك وحدة فى الدين فى مصر ولم يمكن التوصل إلى حدود فاصلة وواضحة فى نظام العبادة بحيث يمكن تقسيمها إلى رسمية وشعبية وخاصة فى عصر الإحتلال البطلمى والرومانى , وكما رأينا فى قرية تبتنيس كمثل ونموذج أنه تم أكتشاف عدة معابد وآلهات مختلفة بل أنه قد حدث تداخل وإندماج دينى فقد حدث أن تطابق وظائف ألالهة المصرية القديمة مع الأغريقية والرومانية فأطلقت اسماء الآلهة الأغريقية على مثيلته المصرية وهكذا سمح رجال الحكم بهذا الأندماج لإشباع الرغبات الشخصية والعائلية فى طقوس العبادة التى يميلون إليها , وهى وإن كانت تهم الفرد فهى بالطبع تهم الشعب ككل وإحتياجاته , والمعابد الوثنية تعتمد فى أستمرارها على تقدمة ونذور وقرابين المقدمة من أهل الورع والتقوى ويتكفلون معاً فى رابطة واحدة للقيام بإحتياجات المعبد ولكن من المعتقد أنه كان يوجد أختلافات فى درجة ممارسة العبادة , ودرجة الإنتماء ,ودرجة الأعتقاد , وعلاقة القائمين بالمعبد مع زواره , وشهرة وشيوع إله المعبد , وكذلك حالة الشخص المادية والإجتماعية كل هذه العوامل تطرح العديد من الأسئلة على أستمرارية قيام المعبد بواجباته , والعوامل السابقة وكذلك عوامل أخرى تقود الباحثين والمؤرخين لدرجة إرتباط هذه العوامل ببعضها البعض وهذه العوامل تعتبر بلا شك تعتبر خلفية وأساس صلب بالتغيير من الوثنية إلى المسيحية الذى حدث خلال العصر الرومانى وقاد المصريين والمستوطنين الأغريق وحتى الرومان أنفسهم إلى نشر العقيدة المسيحية حينما داست أقدام مار مرقس رسول المسيح أرض مصر .
العبادة الوثنية

ولم يكن هناك تبادل وأستعارة بين المصريين واليونانيين والرومان فى الدين فحسب ولكن كان هناك تبادل واسع فى الثقافة أيضاً وهناك إشارات واضحة لترابط بين الثلاثة أجناس , وكانت أكثر فى مدينة متروبوليس (أرسينوى) عاصمة المحافظة التى كانت مركز الجذب للهلينيين ( الأغريق) والرومانيين الذين يثرون بسرعه فيها , وكان فيها معبد جوبيتر كابيتولينوس , وكان هذا المعبد هو أعلان للشعب بتبعيته لحكم وسيطرة لروما -
وهذه العبادة الوثنية المدنية كانت علمانية بمعنى أن الكهنة فى المعابد الأغريقية و الرومانية كانوا علمانيين , فمثلاً البورتيرات [ بورتيرات موميات كهنة سيرابيس من هاوارا Hawara القرن الثانى بعد الميلاد II AD ] التى وجدت على مومياء كهنة سيرابيس Serapis فى أرسينوى يلبسون تونيا tunic ( سترة قصيرة, رداء كهنوت ) الملابس الأغريقية الرومانية ولهم ذقن ويلبسون التاج المرصع بالنجوم ( رمز الكهنوت) , وكان رجال كهنة المصرى فى المعابد المصرية متميزون من حيث الشكل عن باقى السكانت وعن كهنة الأوثان فى المعابد الأغريقية والرومانية فرؤوسهم حليقة ( وكانت العقوبة ألف دراخمة إذا تركوا شعورهم تنمو !! ) ولم يكن مسموحاً لهم بإرتداء الملابس الصوفية فى أماكن عامة , بل ملابسهم الكهنوتية الكتانية فقط , وبالطبع كان أولاد الكهنة أول من يختتن لأن وظيفة الكهانة كانت وراثية , وكانت هذه القواعد المحددة للكاهن وصفاته وملابسة تخضع لأشراف دقيق بمعرفة وكالات حكومية متعددة
عدد الكهنة فى المعابد الوثنية
لم يكن عدد الكهنة فى المعابد ثابتاً ولا مقتصراً على عدد زوار المعبد أو التابعين لعبادة الإله بل كان يخضع لعوامل كثيرة , ولن نخوض فى هذه العوامل ولكن ما وجد فى أوراق البردى يقول : " أنه فى قرية صغيرة فى محافظة أرسينوى (الفيوم) قام على خدمة ألإله التمساح طقم من ثلاثة كهنة فقط يساعدهم شخص واحد فقط , وبينما فى تيبتينوس وصل عدد الكهنة إلى 80 وفى كرانيس مائة وأربعة .
وهناك مستندات بردية فى العصر الرومانى توضح انه فى أحتفالات المصريين فى القرية للأه سوبك Sobek أو ميلاد ايزيس Isis كان الملاك كانوا يعطون العمال هدايا بينما المؤجرين كانوا يعطون الملاك هدايا , هذه العادات كانت تقرب الصلة الإجتماعية بين القائمين على المعبد وحتى الحكام واهل القرية .
فى القرن الأول الميلادى خطاب على ورقة البردى يرجع تاريخه للقرن الأول الميلادى من قرية تقع بالقرب من تبتنيس تذكر أن كاهن سوتشوس صنع طلب أستغاثة أو طلب قضائى بشأن تقدمات أهل التقوى إلى هلينيس والأسكندريين والرومان Hellenes, Alexandrians and Romans الذين بشكل عام لا يعضدون أو يساعدون المعبد أو العبادة التى يتولاها ( P.Merton II 63).
وقد بدأ التوتر بين ديانة المتحضرين من أهل المدن وديانه أهل القرية وكانت تشتعل وتنتقل إلى أماكن أخرى فى بعض الأحيان .
أما عن شغل أحدى الوظائف فى المعبد فى حالة عدم وجود من يخلف صاحبها (أبنه مثلا) كانت الدولة تبيع هذه الوظيفة لمن يعرض ثمناً أعلى , وطبعاً هذا العمل يعتبر شيئاً كريهاً فى المسيحية ومهيناً للمقدسات , ولكن الوضع فى منطقة الشرق الأوسط والديانة الوثنية فى هذا الوقت فى مصر القديمة كان موقفاً عملياً يقلس على الواقع المعاش بصورة أساسية فكانت وظيفة الكاهن أو العامل فى المعبد من هو أقل رتبة منه بما فيها أمتيازات فى الكرامة عند باقى الشعب وأمتيازات عند الحكام تعتبر حقوق ذات قيمة وأيضاً لها عائد مادى كبير قابلة للتحويل إلى عامل الكسب والربح وكانت هذه المزايدات لشغل وظائف الكهنة الخالية تجرى فى سرية خاصة وكان من الشائع تبادل التهامات من بين المزايدين .
وفى لجنة عام 201 ق.م أعطى سيبتيميوس سيفيروس من سيبتيميوس سيفيروس Septimius Severus / أصدر تغييراً من الخاص إلى العام فى مدينة ميتروبوليس والتي اعطيت المجلس المدنيه الجديده مسؤوليه كبيره علي الاداره من الولاية. والمجالس الوطنيه كانت اقل ميلا من الاداره المركزيه السابقة الي تقديم الدعم الي المعابد الدينيه بالقريه.

يرتبط العصر البيزنطي ارتباطًا وثيقًا بالديانة المسيحية. وقد بدأت المسيحية في مصر منذ القرن الأول على يد القديس "مرقص الرسول" الذي اتجه إلى الإسكندرية عام 61م، ثم بدأ التبشير في الإسكندرية، وفي عام 64م اعتزم القديس "مرقص" أن يغادر الإسكندرية فرسم إنيانوس (حنانيا) بابا للإسكندرية وهو أول بابا للإسكندرية بعد القديس "مرقص"، وإليه ينسب إنشاء أول كنيسة بالإسكندرية وتوجد بنفس البقعة التي توجد بها الكنيسة القبطية الحالية بالإسكندرية بشارع كنيسة الأقباط.
ويعزو "تاريخ الكنيسة القبطية" إلى القديس "مرقص" أيضًا إنشاء أول مدرسة لاهوتية في الإسكندرية عام 68م وإقامة "يسطس" رئيسًا عليها.
ولكن في تلك الحقب وحتى القرن الرابع الميلادي كانت المسيحية تحت وطأة الإضطهاد الوثني. ومن أكثر الاضطهادات قسوة تلك التي كانت على يد الإمبراطور "دقلديانوس" (284م-305م)، ففي عام 303م أصدر "دقلديانوس" أمرًا عامًا باضطهاد المسيحيين، وبعدها أصدر ثلاثة مراسيم جديدة تقضي بسجن الأساقفة ثم تعذيبهم وإعدام المسيحيين إذا رفضوا إنكار مسيحيتهم. ولقد لقيت مصر المسيحية من اضطهاد دقلديانوس ما يعادل كل ما تحمله المسيحيون في أرجاء الإمبراطورية حيث يقول ترتليانوس "لو أن شهداء العالم كله وضعوا في كفة ميزان وشهداء مصر في الكفة الأخرى لرجحت كفة المصريين". وقد بلغ من شدة هذه الاضطهادات أن أطلق المصريون على عصر هذا الإمبراطور "عصر الشهداء" واتخاذ الكنيسة القبطية بدء تقويمها بسنة ولاية هذا الإمبراطور 284م، ويسمى هذا التقويم بتقويم الشهداء.
ومن أشهر القديسين الذين استشهدوا في عصر دقلديانوس هو القديس "مارمينا العجائبي" الذي يوجد دير باسمه حتى الآن بمنطقة مريوط بالقرب من الإسكندرية.
اعتناق الإمبراطور قسطنطين للمسيحية

في عام 312م كان الحادث الذي أدى إلى اعتناق "قسطنطين" للمسيحية، فقد رواه لنا قسطنطين بنفسه على ما سجله في تاريخه "يوسابيوس" وهو أنه إبان حربه ضد "ماكسنتيوس" الإمبراطور الذي نادى به الحرس الإمبراطوري في روما فقد وصل في زحفه على أبواب روما في 28 أكتوبر عام 312م، ولم يعد يفصله عنها سوى جسر ملينا على نهر التيبر، فرأى "قسطنطين" في السماء صليبًا من النور كتب عليه عبارة "انتصر بهذه العلامة" فأصدر أمره لجنوده أن يرسموا الصليب على أذرعهم وأن يجعلوه شعارًا لهم؛ وبالفعل انتصر الإمبراطور "قسطنطين" وهزم خصمه، وقتله، ودخل روما وحيته المدينة وأصبح سيد القسم الغربي بلا منازع.
مرسوم ميلان (عام 313م)
رأى "قسطنطين" أن يوفي لإله المسيحيين الذي نصره فأصدر "مرسوم ميلان" الذي رد للمسيحيين أملاكهم التي صودرت وأعلن التسامح الديني مع كل الأديان. وبهذا انتهت فترة العذاب والاضطهاد الذي حاق بالمسيحيين.
مجمع نيقية (عام 325م)
هذا المجمع دعا إليه الإمبراطور "قسطنطين" ليضع دستور الإيمان وقصته تبدأ عندما رفع كل من "أريوس" والأنبا "ألكسندروس" أمر الخلاف الناشئ بينهما حول لاهوت السيد المسيح إلى الإمبراطور قسطنطين. فاجتمع 318 أسقفًا يصحبهم حشد كبير من رجال الدين. وجاء معظم الأساقفة من الولايات الشرقية، أما الولايات الغربية فاكتفى البابا "سلفستر الأول" (أسقف روما) بإرسال بعض القساوسة ليمثلوه. وقد أصدر المجمع بعد مداولات ومناقشات ما اعتبر من ذلك التاريخ دستور الإيمان، أو ما يعرف باسم قانون الإيمان. وقد قام بصياغته الأنبا ألكسندروس بابا الإسكندرية وشماسه ومساعده "صاحب القدح المعلى" في هذا المجمع وهو القديس "أثناسيوس" بعد أن ضم إليهما أسقف قيسارية.
باخوم يؤسس الأديرة الجماعية (عام 323م)
ولد "باخوم" عام 290م واعتنق المسيحية أثناء وجوده في الجيش وكان عمره 20 عامًا. ولما سُرِّح من الجيش اتخذ لنفسه حياة النسك والرهبنة التي بدأها الأنبا "بولا" ووسع نطاقها الأنبا "أنطونيوس". ولكن باخوم حوَّل الرهبنة والنسك إلى حياة جماعية منظمة تخضع لإرشاد و توجيه، وتسير على قواعد محددة عُرفت باسم "الكوينونيا" والتي ترجمت إلى اليونانية واللاتينية وقد تبناها البابا بينيدكتوس (زعيم الرهبنة الغربية) في أوروبا.
اتخذ القديس باخوم أول الأمر معبدًا مهجورًا من معابد سيرابيس مكانًا لتنسكه، وأول دير أنشأه القديس "باخوم" كان بالقرب من دندرة.
إلغاء الوثنية بصفة نهائية (عام 394م)
حمل الإمبراطور "ثيودسيوس" مجلس الشيوخ الروماني على أن يصدر تشريعًا بإلغاء الوثنية في جميع صورها وأشكالها في أرجاء الإمبراطورية شرقها وغربها، ووضع عقوبات صارمة لكل من يعتنق ديانة غير المسيحية أو لمن يرتد عنها أو يلحد فيها. ومن هنا سجل له التاريخ أنه هو من جعل المسيحية دينًا رسميًا للدولة.
وفي عام 324م كان قسطنطين قد نجح نهائيًّا في توحيد الإمبراطورية تحت سلطانه بعد أن هزم "لسيثيوس" شريكه في الحكم وإمبراطور الشرق، وكان انتصاره نجدة جديدة للمسيحيين؛ فقد كان "لسيثيوس" قد بدأ صب صواعق غضبه فوق رؤوس المسيحيين لمناصرتهم قسطنطين.
وفي أثناء العصر البيزنطي ظهرت بعض البدع والهرطقات ومن أهمها بدعة "أريوس" الذي كان من أصل ليبـي، تعلم في أنطاكية وأصبح أحد رجال الكنيسة في الإسكندرية. وكانت بداية بدعة أريوس عام 318م، وقد دعا الأنبا ألكسندروس مجلسًا من الأساقفة المصريين حكموا بتجريد أريوس من منصب الكهنوت.
مجمع خلقدونية (عام 451م)
بدأت المساعي لدفع الإمبراطور إلى دعوة مجمع جديد في مدينة خلقدونية - التي تقع بالقرب من القسطنطينية - ليحسم بطريقة نهائية كل المسائل التنظيمية والعقائدية بالكنيسة المسيحية. فوافقه الإمبراطور على عقد هذا المجمع الذي احتشد عدد كبير من الأساقفة لم يسبق له مثيل في أي مجمع سابق إذ بلغ عددهم 632 أسقفًا.
وتعتبر قرارات مجمع خلقدونية ذات أهمية سياسية في تاريخ روما البيزنطية، ففي الوقت الذي اعتبرت فيه قرارات هذا المجمع أساس العقيدة المسيحية فإن مصر وبلاد الشام قد رفضتا الأخذ بها، وأقرتا بمذهب الطبيعة الواحدة (Monophysite) وفشلت كل الجهود التي بذلت خلال القرون المتعاقبة في توحيد الكنيستين، فانفصلت الكنيسة المصرية، وكان أول مظاهر هذا الانفصال إلغاء استعمال اللغة اليونانية بصفة نهائية في طقوس الكنيسة المصرية حيث أحلت محلها اللغة المصرية القديمة التي أصبحت تعرف منذ ذلك الوقت باللغة القبطية؛ وهي ليست سوى اللغة المصرية القديمة مكتوبة بحروف يونانية بعد أن أضيفت لها سبعة حروف تخلو منها اليونانية.
غارة الفرس على مصر (عام 501م)

أغار الفرس على سوريا ثم تقدموا إلى مصر فاستطاعوا أن يجوسوا خلال الدلتا، ولكنهم وقفوا عند أسوار الإسكندرية التي استعصت عليهم. ويبدو أن القائد الفارسي خشي على نفسه مما نسميه استطالة خطوطه وابتعاده عن قاعدته بغير أمل في وصول نجدات فاضطر للانسحاب. وكان لحصاره الطويل أثر في مدينة الإسكندرية إذ أصابها بمجاعة شديدة. وقد عني الإمبراطور انسطاسيوس (491م-518م) بمساعدة الإسكندرية بإنعاشها وترميم مبانيها العامة. وكانت منارة الإسكندرية الشهيرة قد أهملت خلال القرون السابقة فأمر بترميمها وإعادة العناية بها. وكان الحاكم الروماني في مصر هذه السنة هو أيوستانيوس.
فتح الإسكندرية (عام 642م - 22ﻫ)

سارت الجيوش الإسلامية بعد استلام حصن بابليون نحو الإسكندرية فتصدت لها بعض الجيوش الرومانية في بعض المواقع ولكنها هزمت، وكانت الإسكندرية يصعب اقتحامها لأنها مفتوحة على البحر الذي لا يوجد للمسلمين فيه أي سفينة، فأصبح يستحيل حصارها وكانت أسوارها لا يمكن اقتحامها بل لم يستطع المسلمون الاقتراب منها، فقد انهالت عليهم قذائف المنجنيق. وكانت المدينة تحتوي على عشرات الألوف من الجند، ومرة أخرى يظهر "قيرس" في الميدان ليسلم الإسكندرية للمسلمين، فبعد وفاة "هرقل" تولى الحكم من بعده "قسطنطين الثالث" ابنه، فاستدعى "قيرس" (والذي سبق وأن تفاوض مع المسلمين عند حصن بابليون) من منفاه ليستشيره في أحوال مصر وسبيل الدفاع عنها، لكن "قسطنطين" لم يلبث أن مات واعتلى العرش بعده أخوه "هرقلوناس" الذي شاركه "قنسطانز الثاني" في الحكم فاتفقا على أن يوفدا "قيرس" إلى مصر ليعقد صلحًا مع المسلمين.
وفي نوفمبر سنة 641م أبرم "قيرس" معاهدة جديدة على غرار معاهدة بابليون على أساس أن يسمح لجيش بيزنطة بأن يغادر الإسكندرية، وأن يحمل جنوده أمتعتهم وأموالهم وكذلك كل من يرغب في مغادرة الإسكندرية من رعاياها، وأن يتعهد المسلمون بأن لا يتعرضوا للكنائس وتم الاتفاق على أن يتم الجلاء بعد أحد عشر شهرًا.
وفي التاسع والعشرين من شهر سبتمبر سنة 642م انسحب الروم حسب الاتفاق، ودخل المسلمون مهللين مكبرين إلى الإسكندرية في هدوء وسلام، وكان "قيرس" قد مات خلال هذه السنة من الهدنة، وقد تمكن الروم من الاستيلاء على الإسكندرية مرة أخرى في 645م، ولكن استطاع المسلمون استعادة المدينة مجددًا في 646م.
الدين الروماني القديم

وبالرغم من أننا لا نشك في أن كثيرًا من يونان مصر خاصة في المدن اليونانية الأربع (الإسكندرية ونقراطيس وبطوليموس ثم أنطينوبولس فيما بعد) قد احتفظوا في العصر الروماني بعبادة آلهتهم اليونانية القديمة، فإننا نستطيع أن نتصور أن مدينة كالإسكندرية لابد كانت مركزًا من أهم مراكز التقاء الديانات اليونانية والشرقية، وحيث كان لابد لهذه الديانات من أن يؤثر بعضها في الآخر ذلك أن الفترة التي أعقبت نشر ألوية "السلم الروماني" Pax Romana وتزايد الاتصال من خلال النشاط التجاري وغيره بين أجزاء العالم القديم، وفي ظل سياسة التسامح الديني التي انتهجها الرومان مع شتى الشعوب المتباينة التي شملتها إمبراطوريتهم، كان لابد أن تمتزج الديانات القديمة بصورة أكبر من وقت سابق، وان للعبادات المصرية في هذا المعترك العقدي قدر واضح من الغلبة على سائر العبادات الأخرى.
عبادة الأباطرة في مصر

وفي مجال الديانة اليونانية استغل أباطرة الرومان مبدأ تألية الملوك وربطهم ببعض الآلهة اليونانية على نحو ما فعل البطالمة وغيرهم من ملوك العصر الهلنستي من قبل، بحيث يمكن أن نقول إن عبادة الإمبراطور بالنسبة إلى يونان مصر حلت محل عبادة الملك البطلمي مع بعض الفوارق.
ونحن نعلم أن أساس عبادة الملوك في العصر الهلنسي كانت قد قامت على أساس ما انتهى إليه التفكير الفلسفي من أن بعض الآلهة كانوا فيما مضى بشرًا ثم أدخلوا في عداد الآلهة بفضل ما أظهروه من قدرات وملكات خاصة من خلال قيامهم بأعمال فذة خارقة أو إصلاحات جليلة.
وبناءً على هذا التفكير لم يكن من المبالغة اعتبار أن شخص الإمبراطور أوغسطس أو واحد من خلفائه من أمثال تراجان أو هادريان أو سبتيميوس سفيروس ممن نشروا أّلوية السلام أو أحرزوا انتصارات باهرة، يرتفع إلى مصاف الآلهة. وليس من شك في أن الأباطرة كانت تروق لهم ضروب التكريم الفائقة التي كانت تخلع عليهم. ومن ناحية أخرى فقد كانت إقامة عبادة عامة لهم في الإمبراطورية وسيلة لشد أجزاء هذه الإمبراطورية بعضها إلى بعض. غير أنه ينبغي الالتفات هنا إلى أمرين:
أولهما: أن عبادة الإمبراطور لم تكن أعلى أساس أنه إله Deus بل على أنه مؤلة Divius أي على أن شخصه مقدس. وتحت هذه الصفة الأخيرة كان يجري ذكرى أرفع الأباطرة شأنًا في أيعن رعاياه وهو أوغسطس.
والأمر الثاني أن تأليه الأباطرة كان يتم بعد وفاتهم وليس في خلال حياتهم. وعندئذ كانت تقام لهم التماثيل في بعض معابد الآلهة الكبرى ويخصص لعبادتهم في الأغلب كاهن في مدينة الإسكندرية.

وإذا كان الرومان قد فرقوا في اللفظ والمعنى بين كلمة Deus (إله) Divius مؤلة فإن رعايا الإمبراطور اليوناني في مصر لم يدركوا هذا الفرق فكانوا يطلقون على الإمبراطور اللفظ اليوناني Theos ومعناه إله. وفي الوثائق الرسمية التي كانت صيغتها تنتهي بحلف اليمين على صحة الوثيقة مثلاً كان صاحب اليمين يقسم باسم الإمبراطور الإله. إلخ أو باسم طالعه السعيد Tyche (في اللاتينية الملاك الحواس لروحة Genius(). غير أنه بالرغم من أن عبادة الإمبراطور كانت عبادة رسمية في مصر فإنه لم تقم على تنظيمها الحكومة المركزية كما كان الحال في أيام البطالمة وإنما قام على ذلك الموظفون في المدن اليونانية أو موظفو الإدارة البلدية في الأقاليم. كذلك فإنه إذا كان الأباطرة قد قدموا أنفسهم من خلال هذه العبادات إلى اليونان في مصر فإنهم لم يفرضوها على المصريين أو على اليهود، وإن كان اليونان في الإسكندرية قد وجدوا أكثر من فرصة ليكيدوا فيها لليهود عن طريق إثارة غضب بعض أباطرة الرومان عليهم باتهامهم بأنهم لا يعبدون الإمبراطور وبهذا لا يقدمون له فروض الاحترام الكافية.
الرومان والديانة اليهودية

أما سياسة الرومان الدينية إزاء اليهود فكانت تتمشى مع سياستهم العامة نحو هذه الجالية الكبيرة في مصر، وأعلى سياسة الرعاية والعطف. فقد أطلق الرومان لهم الحرية الدينية الكاملة واستمرت بيعتهم الكبرى (معبدهم) بالإسكندرية قائمة بل زاد اتساعها زيادة كبيرة كما سبق أن ذكرنا وقد كانت "البيعة" عند اليهود هي المركز الذي يجتمعون فيه وحوله حيث يقيمون شعائر صلواتهم ويتدارسون التوراة. ولم تطلب السلطات الرومانية منهم أن يشاركوا في العبادة الرسمية للدولة (عبادة الإمبراطور) أو أن يؤدوا أي التزام إزاء العبادات المحلية في مدينة الإسكندرية.
وقد نستطيع أن نتخذ مثالاً على حرص الأباطارة على حرية العبادة اليهودية ما أقره الإمبراطور كلوديوس في رسالته الشهيرة إلى الإسكندرية (41م) من حق اليهود في الحرية الدينية الكاملة. وقد جاء هذا الضمان بعد فتنة عام 38م التي وقعت بين الإسكندريين واليهود والتي اقتحم اليونان فيها أماكن العبادة اليهودية وأكرهوا اليهود على أن يضعوا فيها تماثيل الإمبراطور كاليجولا. هذا وينبغي أن نذكر أن الإجراء الذي قام به بعد ذلك الإمبراطور فسبسيان ضد اليهود في عام 73م بإغلاقه معبدهم في ليونتوبوليس Leontopolis (تل اليهودية) بالدلتا، لم يكن صادرًا عن اضطهاد ديني وإنما كان إجراء سياسيًا أو اقتصاديًا في تحليل بعض الباحثين. وتفصيل ذلك أنه في عام 70م تمكن تيتوس ابن الإمبراطور فسبسيان من قمع ثورة اليهود التي كانت قد نشبت في بيت المقدس (أورشليم) في عام 66م ودمر الهيكل. وقد أراد فسبسيانوس من إغلاق معبد اليهود الكبير في ليونتوبوليس بمصر أن يمنع انتقال نفوذ هيكل أورشليم بعد تدميره إلى ذلك المعبد في مصر، ولم يؤثر على فسبسيان من بعد أي اضطهاد ديني لليهود لأن سياسة ترك الحرية الدينية لهم أصبحت تقليدًا سار عليه كل الأباطرة. غير أن الشدة التي أخذ بها فسبسيان اليهود قد أضافت إلى شعورهم القديم بالمذلة بدفعهم ضريبة الرأس شعورًا جديدًا بالقهر أمام القوة الباطشة، حتى بدأت تنمو عند بعض فرقهم فكرة "الخلاص" على يد مسيح بعون من إلههم يهوه.

وأما من حيث الحياة الدينية لطائفة اليهود في مصر فالملاحظ أنهم استمروا يمارسون شعائر دينهم بمنأى عن التأثيرات العقدية منعزلين في بيعهم (معابدهم) الكثيرة التي وجدت في عدد من مدن مضر الكبيرة إلى جانب بيعتهم الكبرى ليونتوبوليس (تل اليهودية) في جنوب الدلتا. وكان التطور الوحيد الذي طرأ على الديانة اليهودية التقليدية ما حدثنا به فيلسوفهم الإسكندري فيلون عن الجماعة صومعة صغيرة يتعبد فيها وحيدًا ستة أيام في الأسبوع ثم يلتقي الجميع للصلاة في يوم السبت من كل أسبوع، ثم يومًا واحدًا كل خمسين يومًا. وقد حاول بعض الباحثين أن يرى في ذلك تأثرًا بنحلة شرقية هندية، لكن ما هو معلوم من تعصب اليهود لعقيدتهم وبعدهم بالتالي عن أسباب التأثير بالعقائد الأخرى يجعل البعض يرجع أن يكون عامل التأثير هنا محليًا من واقع البيئة المصرية حيث الصحراء بما فيها من قوة جذب خاصة لأولئك الذين تتملكهم الرغبة في التأمل والتعمق في شئون الدين.
يتبع