لبيع الأحجار الكريمة و المسابيح و الشراء المضمون أنقر هنا
عدد الضغطات : 42,819
فتح في صفحة مستقلة

العودة   :: منتدى شبكة أحجار للثقافة العامة :: > منتديــــــــات الــتـــــــــــــــــراث > الحضارات الأخرى > الحضارة الإسلامية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05 / 07 / 2011, 06:40 AM   رقم المشاركة : 1
المعلم كنعان
عضو فعٌال
 
الصورة الرمزية المعلم كنعان

 

         

المعلم كنعان غير متصل

تاريخ الإنتساب :  16 / 03 / 2011
رقم العضوية : 19947
عدد المشاركات : 106
الإقامة : egypt
الجنـس: ذكر
WhatsApp:
         
خاطرة: منتديات أحجار بيتي الثاني
 



مـوســوعــة تاريخ العرب قبل الإسلام

لفظة العرب

نطلق لفظة "العرب" اليوم على سكّان بلاد واسعة، يكتبون ويؤلفون وينشرون ويخاطبون بالإذاعة و "التلفزيون" بلغة واحدة، نقول لها لغة العرب أو لغة الضاد أو لغة القرآن الكريم. وإن تكلموا وتفاهموا وتعاملوا فيما بينهم وفي حياتهم اليومية أدّوا ذلك بلهجات محلية متبابنة، ذلك لأن تلك اللهجات إذا أرجعت رجعت إلى أصل واحد هو اللسان العربي المذكور، وإلى ألسنة قبائل عربية قديمة، وإلى ألفاظ أعجمية دخلت تلك اللهجات بعوامل عديدة لا يدخل البحث في بيان أسبابها في نطاق هذا البحث.
و نحن إذ نطلق لفظة "عرب" و "العرب" على سكان البلاد العربية، فإنما نطلقها إطلاقاً عاماً على البدو وعلى الحضر، لا نفرق بين طائفة من الطائفتين، ولا بين بلد وبلد. نطلقها بمعنى جنسية وقومية وعلم على رسٍّ له خصائص وسمات وعلامات وتفكر يربط الحاضرين بالماضين كما يربط الماضي بالحاضر. و اللفظة بهذا المعنى وبهذا الشكل، مصطلح يرجع إلى ما قبل الإسلام،ولكنه لا يرتقي تاريخياً إلى ما قبل الميلاد، بل لا يرتقي عن الإسلام إلى عهد جدا بعيد. فأنت إذا رجعت إلى القرآن الكريم، والى حديث رسول الله، وجدت للفظة مدلولاً يختلف عن مدلولها في النصوص الجاهلية التيُ عثر عليها حتى الآن، أو في التوراة والإنجيل والتلمود وبقية كتب اليهود والنصارى وما بقي من مؤلفات يونانية ولاتينية تعود إلى ما قبل الإسلام. فهي في هذه أعراب أهل وبر، أي طائفة خاصة من العرب. أما في القرآن الكريم و في الحديث النبوي،وفي الشعر المعاصر للرسول، فإنها علَم على الطائفتين واسم للسان الذي نزل به القرآن الكريم، لسان أهل الحضر ولسان أهل الوبر على حد سواء. )ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشرٌ. لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين(، )ولو جعلناه، قرآناً أعجمياً لقالوا: لولا فصلت آياته أعجمي وعربي. قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد(.
وإذا ما سألتني عن معنى لفظة "عرب" عند علماء العربية، فإني أقول لك: إن لعلماء العربية آراء في المعنى، تجدها مسطورة في كتب اللغة وفي المعجمات. ولكنها كلها من نوع البحوث المألوفة المبنية على أقوال وآراء لا تعتمد على نصوص جاهلية ولا على دراسات عميقة مقارنة، وضعت على الحدس والتخمين، وبعد حيرة شديدة في إيجاد تعليل مقبول فقالوا ما قالوه مما هو مذكور في الموارد اللغوية المعروفة، وفي طليعتها المعجمات وكتب الأدب. وكل آرائهم في تفسير اللفظة وفي محاولة أيجاد أصلها ومعانيها، هو إسلامي، دوّن في الإسلام.
وترى علماء العربية حيارى في تعيين أول من نطق بالعربية، فبينما يذهبون إلى إن "يعرب" كان أول من أعرب في لسانه وتكلم بهذا اللسان العربي، ثم يقولون: ولذلك عرف هذا اللسان باللسان العربي، تراهم يجعلون العربية لسان أهل الجنة ولسان آدم، أي انهم يرجعون عهده إلى مبدأ الخليقة، وقد كانت الخليقة قبل خلق "يعرب" بالطبع بزمان طويل. ثم تراهم يقولون: أول من تكلم بالعربية ونَسِي لسان أبيه إسماعيل. أُلهم إسماعيل هذا اللسان،العربي إلهاماً. وكان أول من فُتق لسانه بالعربية المبينة، وهو ابن أربع عشرة سنة. و إسماعيل هو جد العرب المستعربة على حد قولهم.
والقائلون إن "يعرب" هو أول من أعرب في لسانه، وانه أول من نطق بالعربية، وان العربية إنما سميت به، فأخذت من اسمه، إنما هم القحطانيون. وهم يأتون بمختلف الروايات والأقوال لإثبات أن القحطانيين هم أول العرب، وأن لسانهم هو لسان العرب الأول، ومنهم تعلم العدنانيون العربية، ويأتون بشاهد من شعر "حسان بن ثابت" على إثبات ذلك، يقولون: إنه قاله، وان قوله هذا هو برهان على إن منشأ اللغة العربية هو من اليمن. يقولون إنه قال: تعلمتمُ من منطق الشيخ يعرب أبينا، فصرتم معربين ذوي نفر
و كنتم قديما ما بكم غير عجمة كلام، و كنتم كالبهائم في القفر
ولم يكن يخطر ببال هؤلاء إن سكان اليمن قبل الإسلام كانوا ينطقون بلهجات تختلف عن لهجة القرآن الكريم، وأن من سيأتى بعدهم سيكتشف سر "المسنَد"، ويتمكن بذلك من قراءة نصوصه والتعرف على لغته، وأن عربيته هي عربية تختلف عن هذه العربية التي ندوّن بها، حتى ذهب الأمر بعلماء العربية في الإسلام بالطبع إلى إخراج الحميرية واللهجات العربية الجنوبية الأخرى من العربية، وقصر العربية على العربية التي نزل بها القرآن الكريم، وعلى ما تفرع منها من لهجات كما سأتحدث عن ذلك فيما بعد. وهو رأي يمثل رأي العدنانيين خصوم القحطانيين.
والقائلون إن يعرب هو جدّ العربية وموجدها، عاجزون عن التوفيق بن رأيهم هذا ورأيهم في إن العربية قديمة قدم العالم، وأنها لغة آدم في الجنة، ثم هم عاجزون أيضاً عن بيان كيف كان لسان أجداد "يعرب"، وكيف اهتدى "يعرب" إلى استنباطه لهذه اللغة العربية، وكيف تمكن من إيجاده وحده لها من غير مؤازر ولا معين? إلى غير ذلك من أسئلة لم يكن يفطن لها أهل الأخبار في ذلك الزمن. وللإخباريين بعد كلام في هذا الموضوع طويل، الأشهر منه القولان المذكوران، ووفق البعض بينهما بأن قالوا: إن "يعرب" أول من نطق بمنطق العربية، و إسماعيل هو أول من نطق بالعربية الخالصة الحجازية التي أنزل عليها القرآن.
أما المستشرقون وعلماء التوراة المحدثون، فقد تتبعوا تأريخ الكلمة، وتتبعوا معناها في اللغات السامية،وبحثوا عنها في الكتابات الجاهلية وفي كتابات الآشوريين والبابليين واليونان والرومان والعبرانيين وغيرهم، فوجدوا إن أقدم نصّ وردت فيه لفظة "عرب" هو نص آشوري من أيام الملك "شلمنصر الثالث" "الثاني?" ملك آشور. وقد تبين لهم إن لفظة "عرب" لم تكن تعني عند الآشوريين ما تعنيه عندنا من معنى، بل كانوا يقصدون بها بداوة وإمارة "مشيخة" كانا تحكم في البادية المتاخمة للحدود الآشورية، كان حكمها يتوسع ويتقلص في البادية تبعاً للظروف السياسية ولقوة شخصية الأمير، وكان يحكمها أمير يلقب نفسه بلقب "ملك" يقال له "جنديبو" أي "جندب" وكانت صلاته سيئة بالآشوريين. ولما كانت الكتابة الآشورية لا تحرك المقاطع، صعُب على العلماء ضبط الكلمة، فاختلفوا في كيفية المنطق بها، فقرئت: "Aribi" و "Arubu" و "Aribu" و "Arub" و "Arai" و "Urbi" و "Arbi" إلى غير ذلك من قراءات. والظاهر إن صيغة "Urabi" كانا من الصيغ القليلة الاستعمال، ويغلب على الظن إنها استعملت في زمن متأخر، وأنها كانت بمعنى "أعراب" على نحو ما يقصد من كلمي "عُربي" و "أعربي" في لهجة أهل العراق لهذا العهد. وهي تقابل كلمة "عرب" التي هي من الكلمات المتأخرة كذلك على رأي بعض المستشرقين. وعلى كل حال فإن الآشوريين كانوا يقصدون بكلمة "عربي" على اختلاف أشكالها بداوة ومشيخة كانت تحكم في أيامهم البادية تمييزاً لها عن قبائل أخرى كانت مستقرة في تخوم البادية.
و وردت في الكتابات البابلية جملة "ماتواربي" "Matu A-Ra-bi" ، "Matu Arabaai" و معنى "ماتو" "متو" أرض، فيكون المعنى "أرض عربي" ، أي "أرض العرب" ، أو "بلاد العرب" ، أو "العربية" ، أو " بلاد الأعراب" بتعبير اصدق و أصح. إذ قصد بها البادية، و كانت تحفل بالأعراب. و جاءت في كتابة "بهستون" "بيستون" "Behistun" لدارا الكبير "داريوس" لفظة "ارباية" "عرباية" "Arabaya" و ذلك في النص الفارسي المكتوب باللغة "الأخمينية" ، و لفظة "Arpaya" "M Ar payah" في النص المكتوب بلهجة أهل السوس "Susian" "Susiana" و هي اللهجة العيلامية لغة عيلام.
ومراد البابليين أو الآشوريين أو الفرس من "العربية" أو "بلاد العرب"، البادية التي في غرب نهر الفرات الممتدة إلى تخوم بلاد الشام.
وقد ذكرت "العربية" بعد آشور وبابل وقبل مصر في نص "دارا" المذكور، فحمل ذلك بعض العلماء على إدخال طور سيناء فيَ جملة هذه الأرضين. وقد عاشت قبائل عربية عديدة في منطقة سيناء قبل الميلاد.
و بهذا المعنى أي معنى البداوة والأعرابية والجفاف والقفر، وردت اللفظة في العبرانية وفي لغات سامية أخرى. ويدل ذلك عذ أن لفظة "عرب" في تلك اللغات المتقاربة هو البداوة وحياة البادية، أي بمعنى "أعراب". وإذا راجعنا المواضع التي وردت فيها كلمة "عربي" و "عرب" في التوراة، نجدها بهذا المعنى تماماً. ففي كل المواضع التي وردت فيها في سفر "أشعياء" "Isaiah" مثلاً نرى أنها استعملت بمعنى بداوة و أعرابية، كالذي جاء فيه: "ولا يخيم هناك أعرابي" و "وحي من جهة بلاد العرب في الوعر في بلاد العرب تبيتين يا قوافل الددانيين" . فقصد بلفظة "عرب" في هذه الآية الأخيرة البادية موطن العزلة والوحشة والخطر، ولم يقصد بها قومية وعلية لمجلس معين بالمعنى المعروف المفهوم.
ولم يقصد بجملة "بلاد العرب" في الآية المذكورة والتي هي ترجمة "مسا ه -عراب" " Massa ha-Arab"، المعنى المفهوم من "بلاد العرب" في الزمن الحاضر أو في صدر الإسلام، وإنما المراد بها للبادية، التي بين بلاد الشام والعراق وهي موطن الأعراب.
وبهذا المعنى أيضاً وردت في "أرميا"، ففي الاية "وكل ملوك العرب" الواردة في الإصحاح الخامس والعشرين، تعني لفظة "العرب" "الأعرابي"، أي "عرب البادية". والمراد من "وكل ملوك العرب" و " كل رؤساء العرب" و "مشايخهم"، رؤساء قبائل ومشايخ، لا ملوك مدن وحكومات. وأما الآية: "في الطرقات جلست لهم كأعرابي في البرية"، فإنها واضحة، وهي من الآيات الواردة في "أرميا". والمراد بها أعرابي من البادية،لا حضري من أهل الحاضرة. فالمفهوم اذن من لفظة "عرب" في اصحاحات "أرميا" إنما هو البداوة والبادية والأعرابية ليس غير.
ومما يؤيد هذا الرأي ورود "ها عرابة ha'Arabah " في العبر انية، ويراد: بها ما يقال له: "وادي العربة"، أي الوادي الممتد من البحر الميت أو من بحر الجليل إلى خليج العقبة. وتعتي لفظة "برابة" في العبرانية الجفاف وحافة الصحراء وأرض محروقة، أي معاني ذات صلة بالبداوة والبادية. وقد أقامت في هذا الوادي قبائل بدوية شملتها لفظة "عرب". وفي تقارب لفظة "عرب" و "عرابة"، وتقارب معناهما، دلالة على الأصل المشترك للفظتين. ويعدّ وادي "العربة" وكذلك "طور سيناء" في بلاد العرب. و قصد ب "العربية" برية سورية في "رسالة القديس بولس إلى أهل غلاطة".
وقد عرف علماء العربية هذه الصلة بين كلمة "عرب" و "عرابة" أو "عربة"، فقالوا: "إنهم سموا عربا باسم بلدهم العربات. وقال إسحاق بن الفرج: عربة باحة العرب، وباحة دار أبي الفصاحة إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام". وقالوا:"وأقامت قريش بعربة فتنخت بها، و أنتشر سائر العرب في جزيرتها، فنسبوا كلهم إلى عربة، لأن أباهم اسماعيل، صلى الله عليه وسلم، نشأ وربى أولاده فيها فكثروا. فلما لم تحتملهم البلاد، انتشروا، وأقامت قريش بها. وقد ذهب بعضهم إلى أن عربة من تهامة، وهذا لا يخفي على كل حال وجود الصلة بين الكلمتين.
ورواية هؤلاء العلماء مأخوذة من التوارة، أخذوها من أهل الكتاب، ولا سيما من اليهود، وذلك باتصال المسلمين بهم: واستفسارهم منهم عن أمور عديدة: وردت في التوراة، ولا سيما في الأمور التي وردت مجملاً في القرآن الكريم والأمور التي تخص تأريخ العرب وصلاتهم بأهل الكتاب.
ويرى بعض علماء التوراة أن كلمة "عرب" إنما شاعت وانتشرت عند العبرانيين بعد ضعف "الاشماعيليين" "الاسماعيليين" وتدهورهم وتغلب الأعراب عليهم حتى صارت اللفظة مرادفة ضدهم لكلمة "اشماعيليين". ثم تغلبت عليهم، فضارت تشملهم، مع أن "الاشماعيليين" كانوا أعراباً كذلك، أي قبائل بدوية تتنقل من مكان إلى مكان، طلباً للمرعى ولماء. وكانا تسكن أيضاً في المناطق التي سكنها الأعراب، أي أهل البادية. ويرى أُولئك العلماء إن كلمة "عرب" لفظة متأخرة، اقتبسها العبرانيون من الآشوريين والبابليين، بدليل ورودها في النصوص الآشورية والبابلية، وهي نصوص يعود عهدها إلى ما قبل التوراة. ولشيوعها بعد لفظة "اشماعيليين"، ولأدائها المعنى ذاته المراد من اللفظة، ربط بينها وبين لفظة "اشماعيليين" ، وصارت نسباً، فصيُر جد هؤلاء العرب "إشماعيل"، وعدّوا من أبناء إسماعيل.
هذا ما يخص التوراة، أما "التلمود"، فقد قصدت بلفظة "عرب" و "عربيم" "Arbim" "عربئيم" "Arbi'im" الأعراب كذلك، أي المعنى نفسه الذي ورد في الأسفار القديمة، وجعلت لفظة "عربي" مرادفة لكلمة "إسماعيلي" في بعض المواضع.
وقبل أن أنتقل من البحث في مدلول لفظة "عرب" ضد العبرانين إلى البحث في مدلولها عند اليونان، أود أن أشر إلى أن العبرانيين كانوا إذا تحدثوا عن أهل المدر، أي الحضر ذكروهم بأسمائهم. وفي سلاسل النسب الواردة في التوراة، أمثلة كثيرة لهذا النوع، سوف أتحدث عنها.
وأول من ذكر العرب من اليونان هو "أسكيلوس، أسخيلوس" "أشيلس" "أخيلوس" "Aeschylus""، "525 - 456 قبل الميلاد" من أهل الأخبار منهم، ذكرهم في كلامه على جيش "أحشويرش" "Xeres"، وقال: انه كان في جيشه ضابط عربي من الرؤساء مشهور. ثم تلاه "هيرودوتس" شيخ المؤرخين "نحو 484 - 425 قبل الميلاد"، فتحدث في مواضيع من ناريخه عن العرب حديثاً يظهر منه انه كان على شيء من العلم بهم. وقد أطلق لفظة "Arabae" على بلاد العرب، البادية وجزيرة العرب و الأرضين الواقعة إلى الشرق من نهر النيل. فادخل "طور سيناء" وما بعدها إلى ضفاف النيل في بلاد العرب.
فلفظة "العربية" "Arabea" ضد اليونان والرومان، هي في معنى "بلاد العرب". وقد سملت جزيرة العرب وبادية الشام. وسكانها هم عرب على اختلاف لغاتهم ولهجاتهم، على سبل التغليب، لاعتقادهم إن البداوة كانت هي الغالبة على هذه الأرضين، فأطلقوها من ثم على الأرضين المذكورة.
وتدل المعلومات الواردة في كتب اليونان و اللاتين المؤلفة بعد "هيرودوتس" على تحسن وتقدم في معارفهم عن بلاد العرب، وعلى أن حدودها قد توسعت في مداركهم فشملت البادية وجزيرة العرب وطور سيناء في أغلب الأحيان،فصارت لفظة "Arabae" عندهم علماً على الأرضين المأهولة بالعرب والتي تتغلب عليها الطبيعة الصحراوية، و صارت كلمة "عربي" عندهم علماً لشخص المقيم في تلك الأرضين، من بدو ومن حضر، إلاّ أن فكرتهم عن حضر بلاد العرب لم تكن ترتفع عن فكرتهم عن البدوي، بمعنى انهم كانوا يتصورون أن العرب هم أعراب..
ووردت في جغرافية "سترابون" كلمة "أرمبي" "Erembi"، ومعناها اللغوي الدخول في الأرض أو السكنى في حفر الأرض وكهوفها، وقد أشار إلى غموض هذه الكلمة وما يقصد بها، أيقصد بها أهل "طرغلوديته" "Troglodytea" أي "سكان الكهوف" أم العرب? ولكنه ذكر أن هناك من كان يريد بها العرب، وإنها كانت تعني هذا المعنى عند بعضهم في الأيام المتقدمة، ومن الجائز أن تكون تحريفاً لكلمة "Arabi" فأصبحت بهذا الشكل.
أما الإرميون، فلم يختلفوا عن الآشوريين والبابليين في مفهوم "بلاد العرب"، أي ما يسمى ب "بادية الشام" وبادية السماوة. وهي البادية الواسعة الممتدة من نهر الفرات إلى تخوم الشام. وقد أطلقوا على القسم الشرقي من هذه البادية، وهو القسم الخاضع لنفوذ الفرس، امم "بيت عرباية" "Beth 'Arb'aya" "باعرابية" و "Ba 'Arabaya" ،ومعناها "أرض العرب". وقد استعملت هذه التسمية في المؤلفات اليونانية المتأخرة. و في هذا الاستعمال أيضا معنى الأعرابية و السكنى في البادية.
و وردت لفظة "عرب" في عدد كبير من كتابات "الحضر". و وردت مثلا في النص الذي و سم ب "79" حيث جاء في السطرين التاسع و العاشر "وبجندا دعرب" ، "و بجنود العرب". و في السطر الرابع عشر: "و بحطر و عرب" ، أي "و بالحضر و بالعرب". و وردت في النص: "193": "ملكادي عرب" ، أي "ملك العرب" و في النص "194" و في نصوص أخرى. و قد وردت اللفظة في كل هذه النصوص بمعنى "أعراب" ، و لم ترد علما على قوم و جنس، أي بالمعنى المفهوم من اللفظة في الوقت الحاضر.
هذا و ليست لدينا كتابات جاهلية من النوع الذي يقول له المستشرقون "كتابات عربية شمالية" ، فيها أسم "العرب"، غير نص واحد، هو النص الذي يعود إلى "ارء القيس بن عمرو". و قد ورد فيه: "مر القيس بر عمرو، ملك العربكله، ذو استرالتج و ملك الأسدين و نزروا و ملوكهم و هرب مذحجو...". و لو و رد لفظة "العرب" في النص الذي يعود عهده إلى سنة "328 م" شأن كبير "غير أننا لا نستطيع إن نقول: إن لفظة "العرب" هنا، يراد بها العرب بدواً و حضراً، أي يراد بها العلم على قومية، بل يظهر من النص بوضوح و جلاء انه قصد "الأعراب"، أي القبائل التي كانت تقطن البادية في تلك الأيام.
أما النصوص العربية الجنوبية، فقد وردت فيها لفظة "اعرب" بمعنى "أعراب" و لم يقصد بها قومية، أي علم لهذا الجنس المعروف، الذي يشمل كل سكان بلاد العرب من بدو و من حضر، فورد: "و اعرب ملك حضرموت" أي "و أعراب ملك حضرموت"، و ورد: " واعر ملك سبا" ، أي "و أعراب ملك سبأ". و كالذي ورد في نص "أبرهة"، نائب ملك الحبشة على اليمن. ففي كل هذه المواضع و مواضع أخرى، وردت بمعنى أعراب. أما أهل المدن و المتحضرون، فكانوا يعرفون بمدنهم أو بقبائلهم، و كانت مستقرة في الغالب. و لهذا قيل "سبأ" و "هَمْدان" و "حمْيَرْ" و قبائل أخرى، بمعنى إنها قبائل مستقرة متحضرة، تمتاز عن القبائل المتنقلة المسماة "اعرب" في النصوص العربية الجنوبية، مما يدل على أن لفظة "عرب" و "العرب" لم تكن تؤدي معنى الجنس والقومية وذلك في الكتابات العربية الجنوبية المدونة والواصلة إلينا إلى قبيل الإسلام بقليل "449 م" "542م". والرأي عندي إن العرب الجنوبيين لم يفههوا هذا المعنى من اللفظة الا بعد دخولهم في الإسلام، ووقوفهم على القرآن الكريم، وتكلمهم باللغة التي نزل بها، وذلك بفضل الإسلام بالطبع. وقد وردت لفظ "عرب" في النصوص علماً لأشخاص.
وقد عرف البدو، أي سكان البادية، بالأعراب في عربية القرآن الكريم. وقد ذكروا في مواضع من كتاب الله: وقد نعتوا فيه بعوت سيئة، تدل على أثر خلق البادية فيهم. وقد ذكر بعض العلماء ان الأعراب بادية العرب، وانهم سكان البادية.
والنص الوحيد الوحيد الذي وردت فيه لفظة "العرب" علماً على العرب جميعاً من حضر وأعراب، ونعت فيه لسانهم باللسان العربي، هو القرآن الكريم. وقد ذهب "د. ه. ملر" إلى أن القرآن الكريم هو الذي خصص الكلمة وجعلها علماً لقومية تشمل كل العرب. وهو يشك في صحة ورود كلمة "عرب" علماً لقومية في الشعر الجاهلي،كالذي ورد في شعر لامرئ القيس، وفي الأخبار المدونة في كتب الأدب على ألسنة بعض الجاهليين. ورأي "ملر" هذا، رأي ضعيف لا يستند إلى دليل، إذ كيف تعقل مخاطبة القرآن قوماً بهذا المعنى لو لم يكن لهم علم سابق به? وفي الآيات دلالة واضحة لي أن القوم كان لهم إدراك لهذا المعنى قبل الإسلام، وانهم كانوا ينعتون لسانهم باللسان العربي، وانهم كانوا يقولون للألسنة الأخرى ألسنة أعجمية: )أ أعجمي وعربي? قل: هو للذين آمنوا هدى وشفاء(. )وكذلك أنزلناه حكماً عربياً(. )وهذا كتاب مصدق لساناً عربياً لينذر الذين ظلموا(. )لسان الذي يلحدون إليه أعجمي، وهذا لسان عربي مبين(. ففي هذه الآيات وآيات أخرى غيرها دلالة على أن الجاهليين كانوا يطلقون على لسانهم لساناً عربياً، وفي ذلك دليل على وجود الحس بالقومية قبيل الإسلام.
ونحن لا نزال. نميز الأعراب عن الحضر، ونعتّدهم طبقة خاصة تختلف عن الحضر، فنطلق عليهم لفظة: "عرب" في معنى بدو وأعراب، أي بالمعنى الأصلي القديم، ونرى ان عشيرة "الرولة" وعشائر أخرى تقسم سكان الجزيرة إلى قسمين: حضر و "عرب". وتقصد بالعرب أصحاب الخيام أي المتنقلين. وتقسم العرب، أي البدو إلى "عرب القبيلة"، و "عرب الضاحية"، و هم العرب المقيمون على حافات البوادي والأرياف، أي في معنى "عرب الضاحية" و "عرب الضواحي" في اصطلاح القدامى.
ثم تقسم الحضر وتسمّيهم أيضا ب "أهل الطين" إلى "قارين"، و الواحد "قروني"،وهم المستقرون الذين لهم أماكن ثابتة ينزلونها ابدأ، وإلى "راعية" والمفرد راع، وهم أصحاب أغنام وشبه حضر، ويقال لهم "شوّاية" و "شيّان" و "شاوية" و "رحم الديرة" بحسب لغات القبائل.
وأشبه مصطلح من المصطلحات القديمة بمصطلح "شوّاية" و "شاوية"، هو "الأرحاء"، وهي القبائل التي لا تنتجع ولا تبرح مكانها، إلا أن ينتجع بعضها في البرحاء وعام الجدب.
وخلاصة ما تقدم إن لفظة "ع رب"، "عرب"، هي بمعنى التبدي و الأعرابية في كل اللغات السامية، ولم تكن نفهم إلا بهذا المعنى في أقدم النصوص التاريخية التي وصلت إلينا، وهي النصوص الآشورية. وقد عنت بها البدو عامة، مهما كان سيدهم أو رئيسهم. وبهذا المعنى استعملت عند غيرهم. ولما توسعت مدارك الأعاجم وزاد اتصالهم واحتكاكهم بالعرب وبجزيرة العرب، توسعوا في استعمال اللفظة، حتى صارت تشمل أكثر العرب على اعتبار انهم أهل بادية وان حياتهم حياة أعراب. ومن هنا غلبت عليهم وعلى بلادهم، فصارت علَمية عند أولئك ألأعاجم على بلاد العرب وعلى سكانها، وأطلق لذلك كتبة اللاتين واليونان على بلاد العرب لفظة "Arabae" "Arabia" أي "العربية" بمعنى بلاد العرب.
لقد أوقعنا هذا الاستعمال في جهل بأحوال كثير من الشعوب والقبائل،ذكرت بأسمائها دون أن يشار إلى جنسها. فحرنا في أمرها، ولم نتمكن من إدخالها في جملة العرب، لأن الموارد التي نملكها اليوم لم تنص على أصلها. فلم تكن من عادتها، ولم يكن في مصطلح ذلك اليوم كما قلت اطلاق لفظة "عرب" إلا على الأعراب عامة، وذلك عند جهل اسم القبيلة، وكانت تلك القبيلة بادية غير مستقرة،وقد رأينا إن العرب أنفسهم لم يكونوا يسمون أنفسهم قبل الميلاد، إلا بأسمائهم، ولولا وجودهم في جزيرة العرب ولولا عثورنا على كتابات أو موارد أشارت اليهم، لكان حالهم حال من ذكرنا، أي لما تمكناّ من إدخالهم في العرب. ونحن لا نستطيع أن نفعل شيئاً تجاه القبائل المذكورة، وليس لنا إلا الانتظار، فلعل الزمن يبعث نصاً يكشف عن حقيقة بعض تلك القبائل.
هذا ويلاحظ أن عدداً من القبائل العربية الضاربة في الشمال والساكنة في العراق وفي بلاد الشام، تأثرت بلغة بني إرم، فكتبت بها، كما فعل غيرهم من الناس الساكنين في هذه اللأرضين، مع انهم لم يكونوا من بني إرم. ولهذا حسبوا على بني إرم، مع أن أصلهم من جنس آخر. وفي ضمن هؤلاء قبائل عربية عديدة، ضاع أصلها، لأنها تثقفت بثقافة بني إرم، فظن لذلك إنها منهم.
الآن وقد انتهيت من تحديد معنى "عرب" وتطورها إلى قبيل الإسلام، أرى لزاماً عليّ أن أتحدث عن ألفاظ أخرى استعملت بمعنى "عرب" في عهد من العهود، وعند بعض، الشعوب. فقد استعمل اليونان كلمة "Saraceni" و "Saracenes"، واستعملها اللاتين على هذه الصورة "Saracenus"، وذلك في معنى "العرب" وأطلقوها على قبائل عربية كانت تقيم في بادية الشام وفي طور سيناء، وفي الصحراء المتصلة بأدوم. وقد توسع مدلولها بعد الميلاد، ولا سيما في القرن الرابع والخامس والسادس، فأطلقت على العرب عامة، حتى أن كتبة الكنيسة ومؤرخي هذا.العصر قلما استعملوا كلمة "عرب" في كتبهم، مستعيضين عنها بكلمة "Saraceni". وأقدم من ذكرها هو "ديوسقوريدس "Dioscurides of Anazabos" الذي عاش في القرن الأول للميلاد. وشاع استعمالها في القرون الوسطى حيث أطلقها النصارى على جميع العرب، و أحيانا على جميع المسلمين. و نجد الناس يستعملونها في الانكليزية في موضع "عرب" حتى اليوم.
و قد أطلق بعض المؤرخين من أمثال "يوسبيوس" "أويسبيوس" "Eusebius" و "هيرونيموس" "Hieronymus" هذه اللفظة على "الاشماعيلين" الذين كانوا يعيشون في البراري في "قادش" في برية "فاران"، أو مدين حيث جبل "حوريب". و قد عرفت أيضا ب "الهاجرين" "Hagerene" ثم دعيت ب "Saracenes".
و لم يتحدث أحد من الكنيسة اليونان و الرومان و السريان عن أصل لفظة "Saraceni" "Sarakenoi". و لم يلتفت العلماء إلى البحث في أصل التسمية إلا بعد النهضة العلمية الاخيرة، و لذلك اختلفت آراؤهم في التعليل، فزعم بعضهم انه مركب من "سارة" زوج إبراهيم، ولفظ آخر ربما هو "قين"، فيكون المعنى "عبيد سارة". وقال آخرون: أنه مشتق من "سرق"، فيكون المواد من كلمة "Saraceni" "سراكين" "السراقين" أو "السارقين" إشارة إلى غزوهم وكثرة سطوهم. أو من "Saraka" بمعنى "Sherk" -أي "شرق"، ويراد بذلك الأرض التي تقع إلى شرق النبط. وقال "ونكلر" أنه من لفظة "شرقو"، وتعني "سكان الصحراء" أو "أولاد الصحراء". استنتج رأيه هذا من ورود اللفظة في نص من ايام "سرجون". ويرى آخرون انه تصحيف "شرقيين"، أو "شارق" على تحو ما يفههلى من كلمة "قدموني" "Qadmoni" في التوراة، بمعنى شرقي، أو أبناء الشرق "Bene Kedem"" "Bene Qedhem". وكانت تطلق خاصة على القبائل التي رجع النسابون العبرانيون نسبها إلى "قطورة".
وقد مال إلى هذا الرأي الأخير اكثر من بحث في هذه التسمية من المستشرقين، فعندهم ان "سرسين" أو "سركين" أو "Sarakenoi" من "شرق"، وان "Bene Kedem" و "Qadmooni" العبرانيتين هما ترجمتان للفظة "Saraceni". ولهذا يرجحون هذا الرأي ويأخذون به.
والقائلون ان "سارقين" من أصل لفظتين "سارة"، زوج إبراهيم، ومن "قين" بمعنى "عبد" وان المعنى هو "عبيد سارة"، متأثرون برواية التوراة عن سارة وبالشروح الواردة عنها. وليست لأصحاب هذا الرأي أية أدلة أخرى غير هذا التشابه اللفظي الذي نلاحظه بين "سرسين" وبين "سارقين"، وهو من قبيل المصادفة والتلاعب بالألفاظ ولا شك، وغير هذه القصة الواردة في التوراة: قصة "سارة" التي لا علاقة لها بالسرسين.
هذا وما زال أهل العراق يطلقون لفظة "شروك" و "شروكية" على جماعة من العرب هم من سكان "لواء العمارة" والأهوار في الغالب، وينظرون اليهم نظرة خاصة، ولا شك عندي ان لهذه التسمية علاقة بتلث الت!سمية القديمة. ويستعمل اهل العراق في الوقت الحاضر لفظة اخرى، هي "الشرجية"، أي "الشرقية"، ويقصدون بها جهة المشرق. وتقابل لفظة "بني قديم" في العبرانية،وهي من بقايا المصطلحات العراقية القديمة التي تعبر عن مصطلح "شركوني" و "بني قديم".
هذا وقد عرف العرب ان الروم يسمونهم "ساراقينوس"، فقد ذكر "المسعودي" ان الروم إلى هذا الوقت "أي إلى وقته" تسمي العرب "ساراقينوس". وذكر خبرا طريفاً عن ملك الروم "نقفور" المعاصر ل "هارون الرشيد". فقد زعم انه "أنكر على الروم تسميتهم العرب ساراقينوس. تفسير ذلك عبيد ساره، طعناً منهم على هاجر وابنها إسماعيل، وانها كانت امةّ لسارة، وقال: تسميتهم عبيد سارة، كذب.
وقد كانت منازل "القدمونيين"، "هقدمني"، "هاقدموني" "Kadmonites"، في المناطق الشرقية لفلسطين، أي في بادية الشام. ولما كان "قيدما" "kedemeh" هو أحد أبناء إسماعيل في اصطلاح "التوراة"، فيكون أبناء "قيدما" من العرب الاسماعيليين. وقد ذكر في موضع من التوراة انهم كانوا. يقطنون المناطق الشرقية لفلسطين قرب "البحر الميت" المعروف في العبرانية ب "هايم هقدموني"، أي "البحر القدموني" "البحر الشرقي". وقد كان "القدمونيون"، أي "بنو قديم" أعراباً يقطنون في بادية الشام. وأشباه أعراب، أي رعاة وأشباه حضريين، واللفظة لا تعني قبيلة واحدة معينة، أي علمية، ولا تعني قبائل معنية، وإنما هي لفظة عامة أطلقت على الساكنين في الأماكن الشرقية بالنسبة إلى العبرانيين.
ونجد في الكتب اليونانية لفظة لها علاقة بطائفة من العرب،هي "Senitae"، وقد أطلقت خاصة على أعراب بادية الشام. وقصد بها الأعراب سكان الخيام، أي "أهل الوبر" في اصطلاح العرب. وقد ذهب بعض العلماء إلى أنها من "الخيمة" التي هي منزل الأعرابي، لأن الخيمة هي "Skene" "skynai" في اليونانية. فالمعنى إذن "سكان الخيام".
وقد ذكر "سترابون" إن ال "Scenitae" كانوا نازلين سلى حدود "سورية" الشرقية، كما ذكر إن منهم من كان ينزل شمال "العربية السعيدة" وهم سكان خيام. وقد فرّق "سترابون" بينهم وبين البدو تفريقا ظاهراً، وميزهم عن غيرهم من الأعراب بسكناهم في الخيام. وقال عنهم في موضع آخر: انهم يمثلون بصورة عامة "بدو" العراق. وانهم يعتنون بتربية الإبل. وقد ذكرهم أيضاً في أثناء كلامه على ساحل "Maranitae" فقال: انه مأهول بالفلاحين وبال "Sceniae" وأراد بهم الأعراب الذين لا يسكنون إِلا الخيام ويعيشون على تربية الإبل، وقد ذكر انهم كانوا قبائل و مشيخات.
وقد ذكرهم "بلينيوس" كذلك، فدعاهم ب "Scenitae". وقد كانوا يقيمون في البادية. وقد حاربهم "سبتيموس سفيروس"، وسأتحدث عن ذلك فيما بعد، كما أشار غيره إليهم. والظاهر إن لفظة "Nomas" "Nomadas" التي تعتي "البدو" لا تؤدي معنى "Scenitae" أي سكان الخيام. إذ فرق الكتبة اليونان في مؤلفاتهم بين اللفظتين. وأغلب ظني إن المراد بسكان الخيام الأعراب المستقرون بعض الاستقرار، آي الذين عاشوا في مضارب عيشة شبه مستقرة: لهم خيامهم وإبلهم وحيواناتهم على مقربة من الريف والحضارة. أما ال"نومادس" "Nomades" "Nomadas" فقد كانوا قبائل رحلا يعشيون في البوادي لا يستقرون في مكان واحد، متى وجدوا فرصة اغتنموها فأغاروا على من بجدونهم أمامهم، للعيش على ما يقع في أيديهم. ولذلك كانت ظروف ضعف الحكومات أو انشغالها بالحروب من أحسن الفرص المناسبة لهم. ومن هنا فرّق الكتبة اليونان وغيرهم بين الجماعتين.
إننا لا نستطيع إن تحدد الزمان الذي ظهر فيه مصطلح "سكينيته" بين اليونان واللاتين. وقد يكون ترجمة للفظة أخذوها من الفرس أو الآشوريين أو غيرهم من الشعوب. ومصطلح "أهل الوبر"، هو مصطلح يقابل جملة "سكان الخيام" في نظري. أما مصطلح "أهل بادية" أو "أعراب بادية" أو "سكان البوادي"، فانه تعبير يقابل "Nomadas" عند اليونان.
وعرف العرب عند الفرس وعند بني إرم بتسمية أخرى، هي: "Tayo" و "Taiy". أما علماء عهد التلمود من العبرانيين، فأطلقوا عليهم لفظة "ط ي ي ع ا" "طيعا" و "طيايا" "طياية"2 وأصل الكلمتين واحد على ما يظهر، أخذ من لفظة "طيء" اسم القبيلة العربية الشهرة على رأي أكثر العلماء. وكانت تنزل في البادية في الأرضين المتاخمة لحدود امبراطورية الفرس، وكانت من أقوى القبائل العربية في تلك الأيام، ولهذا صار اسمها مرادفاً لفظة. "العرب" "عرب". وقد ذكر "برديصانِ" أسم "Tayae" "Tayoye" مع "Sarakoye".
وقد شاعت هذه التسمية قرب الميلاد، و انتشرت في القرون الأولى للميلاد، كما يتبين ذلك من الموارد السريانية والموارد اليهودية.
واستعملت النصوص "الفهلوية" "Pahlawi " " لفظة "تاجك" "Tadgik" "Tachik" "Tashik" في مقابل "عرب"، كما استعملت الفارسية لفظة "تازي" بهذا المعنى أيضاً. واستعمل الأرمن كلمة "تجك" "Tashi" في معنى عرب ومسملين، واستعمل الصينيون لفظة "تشي" "Tashi" لهذه التسمية. وقد عرف سكان آسية الوسطى الذين دخلوا في الإسلام بهذه التسمية، كما أطلق الأتراك على الإيرانيين لفظة "تجك"، من تلك التسمية، حتى صارت لفظة "تجك" تعني "الإيراني" في اللغة التركية.
ويرى بعض العلماء إن "تاجك" و "تجك" و "تازك"، هي من الأصل المتقدم. من أصل لفظة "طيء"3 ولكلمة "تازي" في الفارسية معنى "صحراوي"، من "تاز" "taz"، بمعنى الأرض المقفرة الخالية،ولذلك نسب بعض الباحثين كلمة "تازي" إلى هذا المعنى، فقالوا إنها أطلقت على العرب لما اشتهر عنهم أنهم صحراويون.
وقد زعم "حمزة الأصفهاني" إن الفرس أطلقوا على العرب لفظة "تاجيان"، نسبة إلى "تاج بن فروان بن سيامك بن مشى بن كيومرث"، وهو جد العرب.
وبعض هذه التسميات المذكورة، لا يزال حياً مستعملا"، ولكنه لم يبلغ مبلغ لفظة "عرب" و "العرب" في الشهرة و الانتشار. فقد صارت لفظة "عرب"، علماً على قومية وجنس معلوم، له موطن معلوم، وله لسان خاص به يميزه عن سائر الألسنة ، من بعد الميلاد حتى اليوم. وقد وسع الإسلام رقعة بلاد العرب، كما وسع مجال اللغة العربية، حتى صارت بفضله لغة عالمية خالدة ذات رسالة كبيرة، غمرت بفضل الإسلام بعض اللغات مثل الفارسية والتركية والأردية ولغات أخرى، فزودتها بمادة غزيرة من الألفاظ، دخلت حتى صارت جزءاً من تلك اللغات، يظن الجاهل إنها منها لاستعماله لها، ولكنها في الواقع من أصل عربي.
وربّ سائل يقول:لقد كان للعرب قبل الإسلام لغات، مثل المعينية والسبئية و الحمرية والصفوية والثمودية واللحيانية وأمثالها، اختلفت عن عربية القرآن الكريم اختلاقاً كبيرا، حتى إن أحدنا إذا قرأ نصاً مدوناً بلغة من تلك اللغات عجز عن فهمه، وظن إذا لم يكن له علم بلغات العرب الجاهليين أنه لغة من لغات البرابرة أو الأعاجم، فإذا سيكون موقفنا من أصحاب هذه اللغات، أنعدهم عرباً? والجواب إن هؤلاء، وإن اختلفت لغتهم عن لغتنا وباينت ألسنتهم ألست فإنهم عرب لحماً ودماً، ولدوا ونشأوا في بلاد العرب، لم يرسوا إليها من الخارج، ولم يكونوا طارئين عليها من أمة غريبة. فهم إذن عرب مثل غيرهم، و لغات العرب هيّ لغات عربية، وإن اختلفت وتباينت، وما اللغة التي نزل القرآن الكريم إلا لغة واحدة من تلك اللغات، ميزت من غيرها، واكتسبت شرف التقدم والتصدر بفضل الإسلام، وبفضل نزول الكتاب بها، فص "اللغة العربية الفصحى" ولغة العرب أجمعين.
وحكمنا هذا ينطبق على النبط أيضا وعلى من كان على شاكلتهم، عدهم علماء النسب والتاريخ واللغة والأخبار من غير العرب، وأبعدوهم العرب والعربية،فقد كان أولئك وهؤلاء عرباً أيضاً، مثل عرب اليمن المذكورين ومثل ثمود والصفويين واللحيانيين، لهم لهجاتهم الخاصة ؛ وإن تأثروا بالإرمية وكتبوا بها، فقد تكلم اليهود بالإرمية ونسي كثير منهم العبرانية، ولكن نسيا أولئك اليهود العبرانية، لم يخرجهم مع ذلك عن العبرانيين.
وسترد في بحثنا عن تاريخ الجاهلية أسماء قبائل عربية كثيرة عديدة لا عهد للإسلاميين بها، ولا علم لهم عنها، ذكروا في التوراة وفى كتب اليهود الأخرى وفي الموارد اللاتيننة واليوناينة والِكتابات الجاهلية. وإذا جاز لأحد الشك في أصل بعض القبائل المذكورة في كتب اليهود أو في مؤلفات الكتبة "الكلاسيكيين" على اعتبار أفها أخطأت في إدخالها في جماعة العرب، فإن هذا الجواز يسقط حتماً بالنسبة إلى القبائل المذكورة في الكتابات الجاهلية، وبالنسبة إلى القبائل الني دونت تلك الكتابات. فهي كتابات عربية، وإن اختلفت عن عربيتنا وباينت لغتها لغتنا، لأنها لهجة قوم عاشوا في بلاد العرب ونبتوا فيها، وقد كان لسانهم هذا اللسان العربي المكتوب.
فسبيلنا في هذا الكتاب إذن، هو البحث في كل العرب: العرب الذين تعارف العلماء الإسلاميون على اعتبارهم عرباً، فمنحوهم شهادة العروبة، بحسب طريقتهم في تقسيمهم إلى طبقات، وفي وضعهم في أشجار نسب ومخططات؛ والعرب المجهولين الذين لم يمنحوا هذه الشهادة بل حرموا منها، ونص على إخراجهم من العرب كالنبط على ما ذكرت، والعرب المجهولين كل الجهل الذين لم يكن للمسلمين علم ما بهم، ولم يكن لهم علم حتى بأسمائهم. سنتحدث عن هؤلاء جميعاً، عند اعتبار أنهم عرب، جهلهم العرب، لأنم عاشوا قبل الإسلام،أو لأنهم عاشوا في بقاع معزولة نائية، فلم يصل خبرهم إلى الإسلاميين، فلما شرع المسلمون في التدوين، لم يعرفوا عنهم شيئاً، فأُهملوا، ونسوا مع كثير غيرهم من المنسيين.
سئل أحد علماء العربية عن لسان حمير، فقال: ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا . ولكن علماء العربية لم يتنصلوا من عروبة حمير، ولا من عروبة غيرهم ممن كان يتكلم بلسان آخر مخالف للساننا، بل عدوهم من صميم العرب ومن لبّها، ونحن هنا لا نستطيع إن ننكر على الأقوام العربية المنسية عروبتها، لمجرد اختلاف لسانها عن لساننا، ووصول كتابات منها مكتوبة بلغة لا نفهمها. فلغتها هي لغة عربية، ما في ذلك شك ولا شبهة، وإن اختلفت عن لسان يعرب أو أي جدّ آخر يزعم أهل الأخبار أنه كان أول من أعرب في لسهانه، فتكلم بهذه العربية التي أخذت تسميتها من ذلك الإعراب.
وبعد إن عرفنا معنى لفظة العرب والألفاظ المرادفة لها، أقول إن بلاد العرب أو "العربية"، هي البوادي والفلوات الني أطلق الآشوريون ومن جاء بعدهم على أهلها لفظة "الأعراب"، وعلى باديتهم "Arabeae" و "Arabae" وما شاكل ذلك. وهي جزيرة العرب وامتدادها الذي يكون بادية الشام حتى نهايتها عند اقتراب الفرات من أرض بلاد الشام، فالفرات هو حدها الشرقي. أما حدها الغربي، فارض الحضر في بلاد الشام. وتدخل في العربية بادية فلسطين و "طور سيناء" إلى شواطئ النيل. وقد أطلق بعض الكتاب اليونان على الأرضين الواقعة شرق ال "Araxe"، أي الخابور اسم "Arabia" كما أدخل "هيرودوتس" أرض طور سيناء إلى شواطئ نهر النيل في "العربية" "Arabia"أي بلاد العرب.
أما الآن، وقد عرفنا لفظة عرب، و كيف تحددت، وتطورت، أرى لزاماً علينا الدخول في صلب موضوعنا وهو تاريخ العرب، مبتدئين بمقدمة عن الجاهية وعن المواود التي استقينا منها أخبارها،






 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التوقيع :


كـــــــــــــــــــــــــــنعان
آخر تعديل ابو رامى2 يوم 29 / 06 / 2013 في 11:47 AM.
رد مع اقتباس

 

قديم 05 / 07 / 2011, 06:49 AM   رقم المشاركة : 2
المعلم كنعان
عضو فعٌال
 
الصورة الرمزية المعلم كنعان

 

         

المعلم كنعان غير متصل

تاريخ الإنتساب :  16 / 03 / 2011
رقم العضوية : 19947
عدد المشاركات : 106
الإقامة : egypt
الجنـس: ذكر
WhatsApp:
         
خاطرة: منتديات أحجار بيتي الثاني
 



مـوســوعــة تاريخ العرب قبل الإسلام

[frame="9 98"][B][SIZE="4"]الفصل الثالث
إهمال التأريخ الجاهلي و إعادة تدوينه

[RIGHT]من الأمور التي تثير الأسف، تهاون المؤرخين في تدوين التأريخ الجاهلي، ولا سيما القسم القديم منه، الذي يبعد عن الإسلام قرنا ًفاكثر، فإن هذا القسم منه ضعيف هزيل، لا يصح أن نسميه تأريخا، بعيد في طبعه وفي مادته عن طبع التواريخ ومادتها.
لقد وفق المؤرخون العرب في كتابة تأريخ الإسلام توفيقاً كبيراً، من حيث العناية بجمع الروايات والأخبار واستقصائها، وفي رغبتهم في التمحيص. أما التأريخ الجاهلي، فلم يظهروا مقدرة في تدوبنه، بل قصروا فيه تقصيراَ ظاهراً. فاقتصر علمهم فيه على الأمور القريبة من الإسلام، على أنهم حتى في هذه الحقبة لم يجيدوا فيها إجادة كافيه، ولم يظهروا فيها براعة ومهارة، ولم يطرقوا كل الأبواب أو الموضوعات التي تخص الجاهلية. فتركوا لنا فجوات و ثُغراً لم نتمكن من سدّها وردمها حتى الآن، ولا سيما في تأريخ جزيرة العرب، حيث تجد فراغاً واسعا، وهو أمر يدعو إلى التساؤل عن الأسباب التي دعت إلى حدوثه: هل كان الإسلام قد تعمد طمس أخبار الجاهلية? أو أن العرب عند ظهور الإسلام لم تكن لديهم كتب مدونة في تأريخهم ولا علم بأحوال أسلافهم، وكانت الأسباب قد تقطعت بينهم وبين من تقدمهم فلم يكن لديهم ما يقولونهعن ماضيهم غير هذا الذي وعوه فتحدثوا به إلى الإسلاميين، فوجد سبيله إلى الكتب? أو أن العرب لم يكونوا يميلون إلى تدوين تواريخهم، فلم يكونوا مثل الروم أو الفرس يجمعون أخبارهم وأخبار من تقدم منهم وسلف، فلما كان الإسلام، وجاء زمن التدوين، لم يجد أهل الأخبار أمامهم في شيئاً غير هذا الذي رووه وذكروه، وكان من بقايا ما ترسب في ذاكرة المعمرين من أخبار.
لقد عزا بعض الباحثين هذا التقصير إلى الإسلام، فزعم إن رغبة الإسلام كانت قد اتجهت إلى استئصال كل ما يمت إلى أيام الوثنية في الجزيرة العربية بصلة، مستدلا بحديث: "الإسلام يهدم ما قبله"، فدعا ذلك إلى تثبيط همم العلماء عن متابعة الدراسات المتصلة بالجاهلية، والى محو أثار كل شيء تفرع عن النظام القديم، لم يميزوا بين ما يتعلق منه بالوثنية والأنصاب والأصنام،وبين ما يتعلق بالحالة العامة كالثقافة والأدب والتأريخ. فعلوا ذلك كما فعل النصارى في أوروبة في أوائل القرن السادس للميلاد، فكان من نتائجه ذهاب أخبار الجاهلية، ونسيانها، وابتدأ التأريخ لدى المسلمين بعام الفيل. ولهذا "كان المؤرخون أو الأخباريون، الذين يترتب عليهم تدوين أخبار الماضي وحفظ مفاخره، من الذين ينظر اليهم شزراً في المجتمع الإسلامي، وخاصة في العهد الإسلامي الأول. أما مؤرخو العرب العظام، فلم ينبغوا إلا بعد تلكالفترة، وحتى هؤلاء فإنهم صرفوا عنايتهم إلى التأريخ الإسلامي، ولم يدققوا فيما يخص الجاهلية. وبالإضافة إلى ما سبق، أصبح لكلمة مؤرخ "اخباري" معنى سيئ بل أصبحت صفة تفيد نوعاً من الازدراء. وقد ألصقت هذه الصفة بابن الكلبي، كما ألصقت بكل عالم تجرا على البحث في تاًريخ العرب قبل عام الفيل. لكن لم يهاجم أحد من المؤرخين بعنف كما هوجم ابن الكلبي. والراجح أن السبب في نجللك هو انصرافه لدراسة الأشياء التي قرر الإسلام طمسها، أعني بذلك الديانات والطقوس الوثنية في بلاد العرب".
ثم سبب آخر، هو أن الإسلام ثورة على مجتمع قائم ثابت، وعلى مثل تمسك بها أهل الجاهلية، وعلى قوم كانوا قد تسلطوا وتحكموا وتجروا بحكم العرف والعادات، وككل ثورة تقع وكما يقع حتى الآن، وسم الإسلام الجاهلية، بكل منقصة ومثلبة، وحاول طمس كل أثر لها وكل ما كان فيها، حتى ظهرت تلك الأيام على الصورة التي انتهت إلينا عن "الجاهلية" وكان الناس فيها جهلة لم يكن عندهم شيء من علم في هذه الحياة يومئذ، وكأن عهدهم في هذا العالم لم يبدأ إلا ببدء الإسلام.
وجاءوا بدليل آخر في إثبات أن الإسلام كان له دخل في طمس معالم تأريخ الجاهلية، إذ ذكروا أن الخليفة، "عمر" ساًل بعض الناس "أن يرووا بعض التجارب الجاهلية، أو ينشدوا بعض الأشعار الجاهلية، فكان جوابهم: لقد جب الله ذلك بالإسلام، فلم الرجوع". فوجدوا في امتناعهم عن رواية الشعر الجاهلي أو أخبار الجاهلية، دلالة على كره الإسلام لرواية تأريخ الجاهلية وانتهاء ذلك إلى طمس معالم ذلك التأريخ.
أما حديث "الإسلام يهدم ما قبله"، فهو حديث لا علاقة له البتة بتأريخ الجاهلية ولا بهدم الجاهلية، وقد استل من حديث طويل ورد في صحيح مسلم في "باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج"، وبعد "باب هل يؤاخذ بأعمال الجاهلية"، وقد ورد جواباً عن أسئلة الصحابة عن أعمال منافية للإسلام ارتكبوها في الجاهلية، هل يغفرها الله لهم، أو تكتب عليهم سيئات يحاسبون عليها ? فقالوا: "يا رسول الله، انؤاخذ بما عملنا في الجاهلية ?". وقد ورد في صحيح مسلم بعد هذا الباب باب آخر بهذا المعنى، هو "باب بيان حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده".
ولإعطاء رأي صحيح عن هذا الحديث، أنقل إلى القارئ نصه كما جاء في صحيح مسه لم قال: "حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شماسة المهري، قال: حضرنا عمرو بن العاص، وهو في سياقة الموت يبكي طويلاّ، وحول وجهه إلى الجدار، فجل ابنه يقول: يا أبتاه أما بشرك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بكذا ? قال: فأقبل بوجهه، فقال: إن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. إني قد كنت على أطباق ثلاث، لقد رأيتني وما أحد أشد بغضاً لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، مني، ولا أحب إليّ أن أكون قد استمكنت منه فقتلته، فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار، فلما جعل الله الإسلام في قلبي، أتيت النبي، صلى الله عليه وسلم، فقلت: أبسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمين. قال: فقبضت يدي، قال مالك يا عمرو ? قال: قلت أردت أن اشرط. قال: تشترط بماذا ? قلت: أن يغفر لي. قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ماكان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله? وما كان أحد أحبّ إليّ من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولا أجلّ في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملا عِني منه إجلالاّ له. ولو مت على تلك الحال، لرجوت أن أكون من أهل الجنة، ثم ولينا أشياء ما أدري من حالي فيها، فإذا أنا مت، فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني، فشنوا عليّ التراب شناً ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها، حتى أستأنس بكم، وانظر ماذا أراجع به رسل ربي.
وبعل، فأية علاقة إذن بين هذا الحديث وبين الحث على تهديم الجاهلية وإهمال التأريخ الجاهلي يا ترى? وأما اتخاذهم نهي بعض الصحابة ع! رواية الشعر الجاهلي أو أخبار الأيام دليلاً على كره الإسلام لأحياء ذكرى الجاهلية،ومحاولته طمس معالمها وتأريخها، وحكمهم من ثم عليه بمساهمته في طمس تأريخ الجاهلية واطفائه له، فإنه دليل بارد ليس في محله، فإن الذين نهوا عن رواية الشعر الجاهلي أو رواية الأيام، أو امتنعوا هم أنفسهم عن روايتهما، لم ينهوا ولم يمتنعوا عن روايتهما مطلقاً، أي عن رواية جميع أنواع الشعر الجاهلي أو أخبار كل الأيام التي وقعت في الجاهلية، بل نهوا أو امتنعوا عن رواية بعض أبواب الشعر، وبعض أخبار تلك الأيام، لما كان يحدثه هذا النوع من الشعر أو يوقعه هذا الباب من رواية الأخبار من شرّ في النفوس ومن فق قد تجدد تلك العصبيات الخبيثة التي حاربها الإسلام، لتمزيقها الشمل، وتفريقها الصفوف. "ومن ثم نهى الفاروق، رضي الله عنه، الناس بديأ أن ينشدوا شيئاً من مناقضة الأنصار ومشركي قريش، وقال: في ذلك شتم الحي بالميت، وتجديد الضغائن، وقد هدم الله أمر الجاهلية بما جاء من الإسلام. ومرّ عمر بحسان يوماً، وهو ينشد الشعر في مسجد رسول الله، فأخذ بأذنه، و قال: أرغاء كرغاء البعير? فقال حسان: دعنا عنك يا عمر، فو الله لتعلم أني كنت أنشد في هذا المسجد مَنْ خير منك، فقال عمر: صدقت، وانطلق". ولم يأخذ عمر على حسان رواية ذلك الشعر في مسجد رسول الله إلا لأنه كان من ذلك الشعر المثير للنفوس المهيج للعواطف، وإنشاده في نظره يعيد الناس إلى ما كانوا عليه من قتال قبل الإسلام. فلمصلحة العامة نهى بعض الصحابة عنه. ومع ذلك، تساهل عمر مع حسان، وتركه ينشد شعره، بعد أن حاجَّهُ حسان بما رأيت.
وهناك رواية أخرى تشرح لنا الأسباب التي حملت عمر على النهي عن رواية بعض الشعر الجاهلي، وهي انه "قدم المدينة، في خلافة الفاروق، عبد الله بن الزبعري وضرار بن الخطاب - وكانا شاعري قريش في الشرك - فنزلا على أبي احمد بن جحش، وقالا له: تحبّ أن ترسل إلى حسان بن ثابت حنى يأتيك فتنشده وينشدنا مما قلنا له وقال لنا، فأرسل إليه، فجاءه. فقال له: يا أبا الوليد: هذان اخواك ابن الزبعري وضرار قد جاءا أن يسمعاك وتسمعهما ما قالوا لك وقلت لهما. فقال ابن الزبعري وضرار: نعم يا أبا الوليد، إن شعرك كان يحتمل في الإسلام ولا يحتمل شعرنا، وقد أحببنا أن نسمعك وتسمعنا. فقال حسان: أفتبدآن، أم أبدأ? قالا: نبدأ نحن، قال: ابتدئا. فأنشداه حتى فار فصار كالمرجل غضباً، ثم استويا على راحلتيهما يريدان مكة، فخرج حسان حتى دخل على عمر، فقص عليه قصتهما وقصته. فقال له عمر: لن يذهبا عنك بشيء إن شاء الله، وأرسل من يردّهما، وقال له عمر: لو لم تدركهما إلا بمكة، فأرددهما علي... فلما كان بالروحاء، قال ضرار لصاحبه: با ابن الزبعري، أنا أعرف عمر وذبّه عن الإسلام وأهله، وأعرف حسان وقلة صبره على ما فعلنا به، وكأني به قد جاء وشكا إليه ما فعلنا، فأرسل في آثارنا، وقال لرسوله: إن لم تلحقهما إلا بمكة، فارددهما عليّ... فأربح بنا ترك العناء، وأقم بنا مكاننا، فإن كان الذي ظننت فالرجوع من الروحاء أسهل منه من أبعد منها، وان أخطأ ظني، فذلك الذي تحب. فقال ابن الزبعري: نعم ما رأيت. فأقاما بالروحاء، فما كان إلا كمرّ الطائر حتى وافاهما رسول عمر، فردّهما إليه. فدعا لهما بحسان وعمر في جماعة من أصحاب رسول الله. فقال لحسان: أنشدهما مما قلت لهما فانشدهما، حتى فرغ مما قال لهما، فوقف. فقال له عمر: أفرغت? قال: نعم. فقال له: أنشداك في الخَلا، و أنشدتهما في المَلأ... وقال لهما عمر: إن شئتمافأقيما، وان شئتما فانصرفا. وقال لمن حضره: أني كنت نهيتكم أن تذكروا مما كان بين المسلمين والمشركين شيئاً، دفعاً للتضاغن عنكم وبث القبيح فيما بينكم، فاْما إذ ابوا، فاكتبوه، واحتفظوا به. قال الراوي: فدوّنوا ذلك عندهم. قال: ولقد أدركته والله وان الأنصار لتجدده عندها إذا خافت بلاه 00".
بل كان الرسول كما رأينا في خبر "حسان"، وكما ذكر في أخبار أخرى يجلس وأصحابه يتناشدون الأشعار، ويتذاكرون أشياء من أمور الجاهلية، وهو يسمع ويساهم معهم في الحديث، وينشدهم شيئاً مما حفظه. ولم ينه عن رواية شعر ما إلا ما كان فيه فحش، أو إساءة أو إثارة فتنة، أما ما شابه ذللك، لما كان يحدثه ذلك الشعر من أثر سيئ في النفوس. لقد تمثل بشعر "أميةّ بن أبي الصلّت " مع أنه كان من خصومه اللدّ، وسمع الناس ينشدون شعره، ولم يكره منه إلا ما كان منه في تحريض قريش بعد وقعة "بدر" على المسلمين ورثائه من قتل منهم.
وقد كان "أبو بكر"، وهو الخليفة الأول، من حفظة الشعر الجاهلي، الراوين له، المتشهدين به. وكان "عمر" من العالمين بذلك الشعر الحافظين له البصرين به. وكذلك كان شأن كثير من الصحابة.لم يذكر أحد أنهم تحرجوا من روايته و انشاده، وانهم تهيبوا منه، إلا ما ذكرته من إحجامهم عن رواية بعض منه، وهو قليل جداً، لأسباب ذكرتها، وقد رووه مع ذلك و دوّنوه.
لقد حرم الإسلام أشياء من الجاهلية، واقر أشياء أخرى نص عليها في الكتاب والسنة، ولم يرد أنه حرم أقلام الجاهلية أو الشعر الجاهلي أو النثر الجاهلي أو أي أدب أو علم جاهلي، ولم يصل إلى علمنا أنه أمر بهدم المباني الجاهلية وطمس معالمها، حتى محجات الأصنام بقيت على حالها، خلا الأصنام والأوثان وما يتعلق بها من أمور مما كان من صميم الوثنية أو كانت له علاقة بإِعادتها إلى الذهن مثل التصوير. ولم نسمع أنه أمر بإِتلاف كتابات الجاهلية، أو أنه نهى عن قراءتها والاستفادة منها، أو انه منع استعمال اللهجات الأخرى، التي كان يستعملها الجاهليون، أو إن علماء الإسلام منعوا رواية أخبار الجاهلية، بل الذي نسمعه ونراه إن "ابن عباس" كان يستشهد بالشعر الجاهلي في تفسير القرآن، وبقية الصحابة يروونه ويحفظونه، وان خلفاء بني أمية كانوا يدفعون الهدايا والجوائز لمن يروي لهم الشعر الجاهلي، ونرى أنهمكانوا يقضون لياليهم برواية أخبار الجاهلية وحالتهم فيها،وما وقع لهم في تلك الأيام من نادر وطريف، وقد سجل ما بقي منه في الذهن في كتب الأخبار والأدب، يوم شرع الناس في التدوين.
و أما أنهم كانوا ينظرون إلى "الأخباري" نظرة. سيئة، فيها شيء من ازدراء وعدم التقدير، فما كان ذلك لروايته أخبار الجاهلية واشتغاله بجمع تاريخها والتحدث عنها، وما كانوا يريدون بلفظة "أخباري" راوي أخبار الجاهلية وحدها في أي يوم من أيام التاريخ الإسلامي، وإنما كان ذلك لإغراب الإخباريين في رواية الأخبار ومبالغتهم فيها مبالغة تجافي العقل، وسردهم الإسرائيليات والنصرانيات والشعبيات وغير، ذلك من القصص المدونة في الكتب،وكذب بعضهم كذباً يخالف أبسط قواعد المنطق،وما رُمي "ابن الكلبي" بالكذب أو نظر إليه نظرة ازدراء لكونه من رواة أخبار الجاهلية بل وثق في هذه الناحية وأخذ عنه دون ردّ أو اعتراض، كما يتبين ذلك من اعتماد العلماء عليه في هذا الباب و إشارتهم إليه، وإنما ضعف في. أمور أخرى هي أمور إسلامية لا علاقة لها بالجاهلية ولا صلة لها بها البتة، مدونة في كتب التفسير والحديث.
ولو كان الإسلام قد حث على طمس أخبار الجاهلية أو إطفاء ذكر الأصنام والأوثان، لما كان في وسع "ابن الكلبي" ولا غيره التحدث عنها والإشارة اليها، ولما أخذ العلماء عنه ورووا كتبه وتوارثوا كتاب "الأصنام"، بل القرآن نفسه حجة في ردّ هذا الزعم، ففيه ذكر لرؤوس أصنام العرب، وفيه مفصل حياة أهل الجاهلية ومثلهم وما كانوا يقومون به، ولو شراً وباطلاً، وروت كتب التفسير وكتب الحديث والسير والأخبار أوصاف بعض أصنام العرب وهيأتها وشكل محجاتها وأوقات الحج، كما ذكرت ما اقر الإسلام من أمور كانت قائمة في الجاهلية وما حرم منها، ولو كان الإسلام قد تعمد طمس الجاهلية والقضاء على معالمها، لتحرج القرآن وتهرج المسلمون من الإشارة إليها ومن إحياء أسمائها وبعثها في ذاكرة الناشئين في الإسلام.
وقد تحدث "ابن النديم" في كتابه "الفهرست"، في المقالة الثالثة التي خصصها "في أخبار الأخباريين والنسابين وأصحاب الأحداث"، عن "ابن الكلبي" وعن أبيه، كما تحدث عن غيره من مشاهير العلماء من أمثال "عوانة ابن الحكم" و "ابن اسحق" صاحب السرة، و "أبي مخنف" و "الواقدي" و "الهيثم بن عدي" و "أبي البختري" و "المدائني" و "محمد بن حبيب" وغيرهم ممن ألف في أمور وقعا قبل الإسلام في أمور وأحداث إسلامية محضة، وقد ضعف بعضهم، مع أنهم لم يؤلفوا في أمور تخص الجاهلية ولا في أحداث وقعت قبل عام الفيل أو قبل الإسلام. وأطلقت عليهم لفظة "أخباري" أو "وكان اخبارياً"، مع أنهم لم يكتبوا إلا في أخبار قريبة من الإسلام أو في أحداث إسلامية بحتة، فلفظة "أخباري" إذنْ لم تكن قدُ عُلّمت بالشخص الذي تخصص برواية أخبار الجاهلية الواقعة قبل عام الفيل فقط، بل قصد بها هؤلاء وكل من اشتغل برواية الأخبار مهماكانت صفتها وعادتها وطبيعتها، روى تاريخ ما قبل الفيل أو ما بعد الفيل إلى الإسلام، أو أخبار الإسلام.
والأخباري في عرف ذلك اليوم وقبل إن ينتشر التأليف وتتصنف المعارف، هو من يروي الأخبار، تمييزاً له عن الآخرين الذين اشتغلوا بالنسب، فعرف أحدهم ب "النسابة"، وقيل عن أحدهم "أحد النسابين" أو "وكان ناسباً"، أو بالتفسير أو برواية الشعر وما شاكل ذلك من معارف. فهو مؤرخ ذلك الزمن إذن، وهذا نرى لفظة "أخبار" بمعنى تاريخ، ورد في "الفهرست" في أثناء الحديث عن عبيد بن شرية الجرهمي ومعاوية: فسأله "أي معاوية عن الأخبار المتقدمة وملوك العرب والعجم"، وورد عن "ابن دَأب" وكان "عالماً بأخبار العرب وأشعارها" وذكر عن "عوانة بن الحكم" انه كان "راوية للأخبار عالماً بالشعر والنسب". وورد عن "أبي اليقظان النسابة" أنه كان "عالماً بالأخبار والأنساب والمآثر والمثالب". وورد مثل ذلك عن أشخاص آخرين هم في أوائل من اشتغل بالتاريخ عند المسلمين، يخرجنا ذكرهم هنا عن حدود هذا الموضوع.
ويظهر من دراسة "الفهرست" لابن النديم والمؤلفات الأخرى إن العرب في صدر الإسلام لم يكونوا يطلقون لفظة "المؤرخ" على من يشتغل بالتاريخ، ذلك لأن التاريخ نفسه في ذلك العهد لم يكن قد تطور وبلغ الشكل الذي بلغه في أواخر أيام الأمويين وفي الدولة العباسية. بل كانوا يطلقون على المؤرخ "الأخباري" كما ذكرت، لاشتغاله بالأخبار كائنة ما كانت أخبار ما قبل الإسلام أو أخبار الإسلام، وكانوا يطلقون على الموضوع نفسه "الأخبار". ولهذا نرى إن أكثرية المشتغلين بها، أطلقوا على كتبهم: "الأخبار المتقدمة" و "أخبار الماضين" و "أخبار النبي" و "أخبار العرب" و "كتاب السر في الأخبار والأحداث" وأمثال ذلك، ولم يقولوا: "تاريخ المتقدمة" أو "تاريخ الماضين" أو "تاريخ العرب" أو "تاريخ الرسول"، ويستعملون لفظة "سير ة" و "السير" في سير الأشخاص، ولا سيما "سير الرسول". و أما لفظة "تاريخ"، فقد استعملت في عنونة بعض الكتب المؤلفة في التاريخ، فقد كان ل "عوانة بن الحكم" المتوفى سنة "147ه" كتاب اسمه "كتاب التاريخ" كما كان له كتاب اسمه "كتاب سيرة معاوية وبني أمية". وكان للهيثم بن عدي المتوفى سنة "207ه" كتاب يدعى "كتاب تاريخ العجم وبني أمية" و "كتاب تاريخ الأشراف"، و "كتاب التاريخ على السنين"، وكانت للمدائني المتوفى سنة "225" للهجرة كتاب عنوانه: "تاريخ أعمار الخلفاء" وآخر اسمه "كتاب تاريخ الخلفاء" وثالث اسمه "أخبار الخلفاء الكبر"، لا أستبعد إن يكون هو هذا الكتاب.
إلا إن هذا الإطلاق لم يكن واسعاً كثير الاستعمال، وفي استطاعتنا ذكر هذه الكتب وعدّها، وما دامت الحال على هذا المنوال، فليس من المعقول إطلاق لفظة "مؤرخ" و "المؤرخ" و "تاريخ" بصورة واسعة في هذا العهد، وفي جملة العهد الذي عاش فيه "ابن الكلبي"، ما دام العرف فيه إطلاق لفظة "أخبار" بمعنى "تاريخ"، و إنما طغت لفظة "تاريخ" و "مؤرخ" في الأيام التي تلت هذا العهد، ولا سيما أواخر القرن الثالث للهجرة فما بعده.
هذا من حيث استعمال لفظة "أخباري". و أما من حيث إهمال التاريخ الجاهلي وصلة الإسلام به، فقد ذكرت أنه لا علاقة للحديث المذكور بهم الجاهلية أو بإهمال تاريخها،وإنما الإهمال هو إهمال قديم، يعود إلى زمان طويل قبل الإسلام، فعادة قلع المباني القديمة لاستخدام أنقاضها فيَ مبان جديدة، والاعتداء على الأطلال والآثار والقبور في بحثا عن الذهب والأحجار الكريمًة والأشياء النفيسة الأخرى، هي عادة قديمة جدأَ، ربما رافقت الإنسان منذ يوم وجوده. وهي عادة لا تزال معروفة في كثير من بلدان الشرق الأوسط حتى اليوم، بالرغم من وجود قوانين تحرم هذا الاعتداء وتمنع هذا التطاول. وقد كان من نتائجها تلف كثر من الآثار، وذهاب معالمها، فصارت نسياً منسياً. فتكبدت الآثار الجاهلية من أهل. الجاهلية، أي في الأيام السابقة للإسلام مثل ما تكبدته وتتكبده الآثار الجاهلية والإسلامية معاً في أيام الإسلاميين حتى اليوم.
و أما موضوع إهمال الآثار وعم توجيه عناية الحكومات نحوها، لرعايتها وللمحافظة عليها من التعرض للسقوط والتلف والأضرار ونحو ذلك، فإنه موضوع لم يدرك الناس أهميته إلا أخيراً، ولم تشعر الحكومات بأنه واجب مهم من واجباتها إلا حديثاً، ولذلك لا نستطيع إن نوجه اللوم إلى القدامى لإهمالهم الآثار ولعدم اعتنائهم بالمحافظة عليها.
وكان من آثار هذا الجهل بأهمية الآثار إن أزيلت معالم ابنية وقصور،وحطمت تماثيل وكتابات،لغرض استعمالها في البناء، وقد كان على مقربة من "سدوس"، أبنية قديمة يظن أنها من آثار حمير وأبنية التبابعة،وأن من جملتها شاخص كالمنارة، وعليها كتابات.كثيرة منحوتة في الحجر ومنقوشة في جدرانها، فهدمها أهل سدوس، لاختلاف بعض السياح من الإفرنج إليها ملاحظة التداخل معهم. ومثل ذلك.حدث في اليمن وفي مواضع أخرى من أمكنة الآثار.
وقد هدمت قرى ومسن في الجاهلية وفي الإسلام من أجل استعمال أنقاضها في بناء أبنية جديدة. ذكر "الهمداني" حصن "ذي مرمر"، وهو من المواضع الجاهلية المهمة، وكذاك "شبام سخيم" "يسخم"، وبقيا معروفين زمناً طويلاً بعده، ثم جاء أحد الأتراك واسمه "حسن باشا" فهدم حصن "ذي مرمر" لينشئ في أسفله مدينة جديدة، أخذ معظم مواد بنائها من "شبام سخيم". وذكر إن حكومة اليمن قامت بعد سنة "1945 م" ببناء ثكنة لجنودها في المنطقة الشرقية من اليمن في "مأرب" على نمط الثكنة التي بناها الأتراك في صنعاء، فهدموا أبنية جاهلية كانت لا تزال ظاهرة قائمة، واستعملوا الحجارة الضخمة التي كانت مترامية على سطح الأرض، وأزالوا بعض الجدر والأسوار وحيطان البيوت عند بناء تلك الثكنة، فطمسوا بذلك بعض معالم تاريخ اليمن للقديم، وأساءوا بجهلهم هذا إلى قيم الآثار إساءة لا تقدر في نظر عشاق التاريخ والباحثين في تاريخ العرب قبل الإسلام.
ويضاف إلى ما تقم عامل آخر، هدَمَ الآثار عليها بالجملة، وأعني به الحروب. وسوف نرى حروباً متوالية اكتسحت جميع مناطق العربية الجنوبية، وأتت على مدنها، إذ استعمل القادة سياسة حرق المدن والمواقع والمزارع، وقتل السكان بالجملة فأدى ذلك إلى اندثار الآثار وتشريد الناس وهربهم إلى البوادي وتحول الأرضين الخصبة إلى أرضين جرد، حتى ضاعت بذلك معالم الحضارة القديمة، فخسرنا من جراء ذلك علماً كثيراً، و أسفاه. وهناك تقصير آخر لا يمكن إن ينسب إلى الإسلاميين، بل يجب عزوه إلى الجاهليين فالظاهر من رجوع الصحابة إلى ذاكرتهم والى ذاكرة الشَّيبة الذين أدركوا الجاهلية في تذكر أيامها وما كانوا عليه قبل الإسلام، ومن جلب "معاوية بن أبي سفيان" المولع بسماع الأخبار ل "عبيد بن شرية" ليقص عليه "الأخبار المتقدمة وملوك العرب والعجم وسبب تبليل الألسنة، وأمر افتراق الناس في البلاد"، ومن رجوع أهل الأخبار إلى الأعراب لأخذ أخبار قبائلهم وأيامهم وأنسابهم وشعرهم وغير ذلك، إن غالبية أهل الجاهلية لم تكن لهم كتب مدونة في تأريخهم، ولم تكن عندهم عادة تدوين الحوادث وتسجيل ما يقع لهم في كتب وسجلات، بل كانوا يتذاكرون أيامهم و أحداثهم وما يقع لهم، ويحفظون المهم من أمورهم مثل الشعر حفظاً. ولما كانت الذاكرة محدودة الطاقة، لا تستطيع إن تحل كل ما تحمل، ضاع الكثير من الأخبار، بتباعد الزمن، وبوفاة شهود الحوادث، ولم يبق بتوالي الأيام غير القليل منها. ومن هنا كان تعليل علماء العربية ضياع أكثر الشعر الجاهلي، فقالوا: "كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه، فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب،وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم، ولهت عن الشعر وروايته. فلما كثر الإسلام، وجاءت الفتوح واطمأن العرب بالأمصار، راجعوا رواية الشعر، فلم يئلوا إلى ديوان مدوّن، ولا كتاب مكتوب، وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا اقل ذلك، وذهب عنهم كثير". و إذا كان هذا ما وقع للشعر مع مكانته عندهم وسهولة بقائه في الذاكرة بالقياس إلى النثر، وتعصب القبائل لشعر شعرائها، فهل في استطاعتنا استثناء الأخبار، من هذا الذي يحدث للشعر?
بل ما لمنا وللجاهلية، ولنراجع تأريخ الإسلام نفسه، خذ تاريخ آباء الرسول وطفولة الرسول إلى يوم مبعثه، بل هي بعد مبعثه، ثم خذ سير الصحابة وما وقع في صدر الإسلام من أحداث، ترَ إن ما ورد من سيرة آباء الرسول وسيرة الرسول إلى الهجرة، مقتضبا بعض الاقتضاب، وأن ما ذكر هو من الأمور التي نحفظها الذاكرة عادة، وما فيما عدا ذلك مما وقع للرسول، فغير موجود، وترى اقتضاباً مخلاً في سيرة الصحابة،واضطراباً في تواريخ الحوادث، واختلافا بين الصحابة في ذلك. أما سبب ذلك فهو عدم تعود الناس إذ ذاك تسجيل أخبار الحوادث وما يقع لهم، وعدم وجود مسجلين مع السرايا والغزوات والفتوح يكون واجبهم تسجيل أخبارها وتدوين وقائعها، حتى ما سجل من أمر ديوان الجند والأنساب وأمثال ذلك، لم يكن في نسخ عديدة، فضاع أكثره، ولم يصل إلى الأخبارين لذلك يوم شرعوا في التدوين. وإذا كان هذا حال أخبار الإسلام، وهي أمورعلى جانب خطير من الأهمية بالقياس إلى المسلمين، فهل يعقل بقاء أخبار الجاهلية كاملة إلى زمن شروع الناس في التدوين في الإسلام، وقد ضاعت قبل الإسلام بزمان ? لقد قلت فيما سلف إن الهمداني وغيره ممن عنوا بأخبار اليمن، لم يعرفوا من تاريخ اليمن القديم إلا القليل، ولم يعرفوا من أخبار دول اليمن القديمة شيئاً، ولم يحفظوا من أسماء ملوكها إلا بعض الأسماء، وقد حرف حتى هذا البعض، أما معارفهم من معبودات أهل اليمن القديمة، فصفر، فلسنا نجد في كتبهم إشارة ما إلى عبادة "عشتر" ولا إلى عبادة "أنبى" و "ذات صنّم" و "نكرح" و "سين" و "حوكم" "حكم" و "هوبس" ولا إلى بقبة المعبودات. نعم، أشار "الهمداني" إلى اسم إله من آلهة "همدان" هو "تالب"، وكانت محبته في "ريم" "ريام"، يقصدها الناس في ذلك الزمن للزيارة والتبرك، ولكنه لم يعرف أنه كان إلهاً، بل ظن أنه ملك من ملوك همدان، فدعاه باسم "تالب"،وزعم أنه ابن "شهران". وجعل "المقه"، وهو إلَه سبأ العظيم، المقدم عندهم على جميع الأصنام، اسم بناء من أبنية جن سليمان. وقد بُني على ما زعمه بأمر سليمان. وتحدث عن "رئام" فقال: "أما رئام، فإنه بيت كان متنسك، تنسك عنده ويحج إليه. وهو في راس جبل أقوى من بلد همدان"، ونسبه إلى "رئام بن نهفان بن تبع بن زيد بن عمرو بن همدان". وقد ذكره "ابن اسحاق" و "ابن الكلبي" و "السهيلي" و "ياقوت الحموي" وغيرهم أيضاً وفي كل الذي ذكروه دلالة على إن ما رووه لم يكن عن مصدر مدوّن، وإنما هو رويّ عن أفواه الرجال. وأن تلك الأفواه قد نسيت كثيراً من الأصل، فحاولت سد الثُغر بالقصص المذكور.
بل خذ ما ذكره رجال هم أقسم من "ابن الكلي" ومن "الهمدانِي" في الزمان، وألصق منهما عهداً بالجاهلية مثل "ابن عباس" و "عُبّيدْ بن شَرْيةَ" وغيرهما، ترََ إن ما ذكراه عنها لا يدل على أنهما أخذا أخبارهما من مورد مكتوب ومن كتب كانت موجودة، ولا أعتقد إن "معاوية بن أبي سفيان"، وهو نفسه، من أدرك الجاهلية، كانت به حاجة إلى "عبيد" وأمثال "عبيد" من قوّال الأساطير، وإلى الاستماع إلى أخبارهم، لو كان عنده شخص مدوّن عن أمر الجاهلية، ثم إنه لو كانت عند "ابن عباس" و "عبيد" وطلاب الشعر الجاهلي والأخبار مدوّنات، لما لجأوا إلى الذاكرة والى الرواة والأعراب يلتمسون منهم الأخبار والأشعار وأمور القبائل!
إن جهل أهل الأخبار بأصنام أهل اليمن القديمة التي ترد أسماؤها في كتابات المسند، وذكرهم أسماء أصنام جديدة زعموا أنها كانت معبودة، عند أهل اليمن لم يرد لها ذكر في كتابات المسند، أشار "ابن الكلبي" وغيره إلى بعضها، و إشاراتهم إلى دخول اليهودية والنصرانية إلى اليمن، والى تهود "تبعّ" وهو في "يثرب" في طريقه إلى اليمن، وأخذه حبرين من أحبار يهود معه، وأمره بتهدم معبد "رئام"، بناء على إشارة الحبرين، ثم ظهور جمل و ألفاظ في كتابات المسند تدل على التوحيد وعلى وقوع تغير وتطور في ديانات أهل اليمن، مثل عبادة "الرحمن" وعبادة "ذو سموي"، أي "ذو السماء" أو "صاحب السماء": إن كل هذه الأمور وأمثالها، هي دلائل على حدوث تغير وتطور في عقليات أهل اليمن، أثرت في معتقداتهم فجعلتهم ينسون آلهتهم القديمة،بل يتنكرون لها، ويبتعدون بذلك عن ثقافتهم الوثنية القديمة، ومثل هذا التطور والتغير لا بدإن يؤدي طبعاً إلى نسيان الماضي والى الالتهاء عنه بالتطور الجديد. وقد وقع هذا قبل الإسلام بزمان.
كان لدخول اليهودية والنصرانية في اليمن وفي أنحاء أخرى من جزيرة العرب، دخَلٌ من غير شك في إعراض القوم عن ديانتهم الوثنية وعن ثقافتهم وآدابهم. أما اليهود فقد سعوا بعد دخولهم في اليمن لتهويد ملوك اليمن و أقيالها ونشر اليهودية فيها للهيمنة على هذه الأرضين، وأخذوا ينشرون قواعد دينهم وأمور شريعتهم بينهم، ويشيعون قصص التوراة، وأعاجيب سليمان وجن سليمان، وتمكنوا من إقناع بعض سكان اليمن بالتهود، على نحو ما سنراه فيما بعد.
[COLOR=#000000][FONT=Arabic Transparent]ووجدت النصرانية سبيلها إلى اليمن كذلك من البحر والبر، وسعت كاليهودية لتثبيت أقدامها هناك وفي سائر أنحاء جزيرة العرب، ووجدت من سمع دعوتها هنا وهناك، فتنصرت قبائل، وشايعتها بعض المقاطعات والمدن، وتعرضت الوثنية للنقد من رجال الديانتين،واقتبس من دخل في اليهودية الثقافة اليهودية،ومن دخل في النصرانية الثقافة النصرانية، واعرض عن ثقافته القديمة، وفي جملتها الخط المسند، خط الوثنية والوثنين، وصار عدد قرائه يتضاءل بمرور الأيام. ومن يدري? فلعل رجال الدين الجدد، صاروا يعلّمون الناس الكتابة بقلمهم الذي كانوا يكتبون به، وهو قلم أسهل في الكت%







 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التوقيع :


كـــــــــــــــــــــــــــنعان
آخر تعديل ابو رامى2 يوم 30 / 06 / 2013 في 01:51 AM.
رد مع اقتباس

 

قديم 05 / 07 / 2011, 06:51 AM   رقم المشاركة : 3
المعلم كنعان
عضو فعٌال
 
الصورة الرمزية المعلم كنعان

 

         

المعلم كنعان غير متصل

تاريخ الإنتساب :  16 / 03 / 2011
رقم العضوية : 19947
عدد المشاركات : 106
الإقامة : egypt
الجنـس: ذكر
WhatsApp:
         
خاطرة: منتديات أحجار بيتي الثاني
 



مـوســوعــة تاريخ العرب قبل الإسلام

الفصل الخامس
طبيعة جزيرة العرب وثرواتها وسكانها

لم تدرس طبيعة أرض جزيرة العرب دراسة علمية مستفيضة لشاملة، بالرغم من قيام الشركات الأجنبية بالبحث، في أنحاء منها، عن طبيعة تربتها للتوصل بذاك إلى اكتشاف ما في باطنها من ثروات. فأرض جزيرة العرب، أرض واسعة، تغطي الرمال اكثر مساحاتها، فليس من السهل البحث فيها بحثاً علمياً عميقاً عن تركيبها وعن تطورها في كل أنحائها، لهذا كان علمنا بهذه النواحي من البحث ضحلا" مختصراً في الغالب.
يتألف ثلثا الأقسام الشرقية من أرض المملكة العربية السعودية، من طبقات رسوبية يقال لها في علم طبقات الأرض "Sedimentry"، تكون نوعاً من الصخور يتأثر ببعض المؤثرات الأرضية، فتكون من أحسن الأماكن الملائمة للبترول والفحم. وتتألف هذه الطبقات الرسوبية في الدرجة الأولى من الحجارة الكلسية وتتكون أرض منطقة أبار البترول عند "الظهران" والمناطق الأخرى التي أصابت شركة البترول العربية السعودية الأمريكية فيها البترول، من هذا النوع من الصخور.
وتوجد آثار طبقات رسوبية في المناطق الغربية من جزيرة العرب المطلة على البحر الأحمر عند جزر "فرسان" و "جيزان" و "صعبيا" و "أملج" و "المويلح" الواقع على مقربة من راس خليج العقبة، و "ضبا"، وحجارة رملية في العلا في القسم الشمالي الغربي من الجزيرة بكميات واسعة، وحجارة بركانية ولا سيما في مناطق الحرار.وصخور تكونت بفعل الترسبات المتأثرة بالضغط والحرارة، وهي التي يقال لها: "****morpic Formation"، وتساعد على تكوين المعادن. وقد وجدت في هذه المنطقة، خامات المعادن ولكنها لم تستغل حتى ألان استغلالاً تجارياً، كما إن هذه الخامات والأرضين لم تفحص فحصاً فنيا لمعرفة النسب المعدنية فيها.
وتوجد الصخور الرملية في عسير وفي وادي الدواسر، وتشاهد في منطقة هذا الوادي تلال تتجه من الشمال إلى الجنوب، تقع إلى جنوب "الخماسين" وعلى ارتفاع "2200" قدم، يظهر أنها تكونت من الصخور "الأيولينية" "Aelian Sandstone" ومن حجارة "الكوارتس" الضخمة، وقد حوت مقداراَ من "اكاسيد الحديد" أعطت هذه السلسلة لوناً أحمر غامقاً. ويتكون فتات هذه الحجارة على هيأة ألواح صلبة، وعند قطعها يلاحظ أنها تتكون من طبقات، ويمكن فصلها على أشكال ألواح، وقد تكونت على حافات هشه السلسلة وجوانبها أشكال طبيعية مدهشة أخاذة بتأثر فعل الرياح والرمال فيها. وتتكون أرض "قرية" من صخور كلسية، وهناك آبار قديمة تبلغ أعماقها تسعين قدماً، حفرت في طبقات أرضية مؤلفة من حجارة الكلس، تتخللها طبقات من الحجارة الرملية غير أنها ليست ثخينة. أما أرض "بئر حما" التي يبلغ ارتفاعها زهاء أربعة آلاف قدم فوق سطح البحر، وتقع على الحافات الغربية للربع الخالي، فإنها مؤلفة من الحجارة الرملية الأيولينية الحمراء، وعلى مسافة "35" ميلاّ إلى الجنوب الغربي من "حما" موضع يقال له "بئر الحسينية" فيه بئر يبلغ عمقها "129" قدماَ، وقد حفرت في أرض فيها طبقات ثخينة من "الغرانيت". و تتألف اكثر الأرضين التي تمتد من هذا الموضع إلى نجران من حجارة "غرانيتية". وتظهر الحجارة الرملية في القسم الجنوبي والغربي من هذه المنطقة التي ترتفع زهاء "1500" قدم عن مستوى سطح الوادي الموصل إلى نجران، والذي يرتفع هو نفسه زهاء أربعة آلاف قدم عن سطح البحر. وتتألف مناطق واسعة من اليمن من حجارة رملية ومن الطبقات المترسبة "Sediments".
قلت: إن هنالك مناطق في الحجاز مكونة من طبقات مترسبة تعد من أحسن الصخور والطبقات الأرضية، ملائمة للنفط والفحم، إن هنالك مناطق فيها صخور بركانية ونارية: وقد تكوّ ن أكرها بعد تغييرات كبيرة وممليات طويلة من ضغط هذه السلسلة الجبلية الطويلة التي تكون العمود الفقري لجزيرة العرب. وترتفع زهاء "9000 - 11000" قدم عن مستوى سطح البحر في اليمن على ما تحتها من طبقات.
ونجد مناطق واسعة من "اللابات" مبعثرة على طول هذه السلسلة، منها ما هو حديث التكوين. ويشاهد في الزمن الحاضر لسان بارز من "اللابة" في شرقي "أبي عريش" يمتد حتى يتاخم حدود اليمن،كما نشاهد مناطق أخرى مؤلفة من هذه الحجارة في مواضع عديدة بين "شقيق" و "خور البرك" مثلاً حيث تصل "اللابة" إلى البحر الأحمر فتدخل فيه. وكذلك في شمالي "شقيق" عند "جهمة" حيث توجد بقايا بركان يكوّن جزيرة في البحر مقابل هذا الموضع.
وعلى مسافة اثني عشر ميلاَ من مكة جبل، يقال له جبل النورة، حيث تحرق حجارة الكلس المكونة له، لاستخراج النورة واستعمالها في البناء. وهذه الحجارة الكلسية هي من الطبقات المترسبة المتحولة. وهناك أماكن أخرى تكونت من هذه الحجارة، يشاهدها المار من جدّة إلى موضع "مهد الذهب"، الذي تستغل ألان مناجمه، لاستخراج الذهب، وتتكون تلال مهد الذهب من الحجارة المترسبة التي تعرضت لتغيرات طبيعية عديدة، عليها طبقات من حجارة "البازلت" "Basalt".وفي حجارة المناجم خامات معادن متعددة، وتوجد حجارة "الكوارتس" "Quartz". وتوجد في منطقة الطائف صور "الغرانيت"، وفي نهاية هذه السلسلة الجبلية الطويلة التي تنتهي في اليمن تشاهد "لابات" الحرِار وبقايا الحرار التي كانت تزعج اليمانيين، إذ هي قد تقذفهم حممها في يوم من الأيام فتسومهم سوء العذاب.
وفي أرض، اليمن عدد كبير من الحِرار، ذكر السياح بعضها، مثل حرة "أرحب"، وتقع شمالي "صنعاء" ولها لابة استخرج منها الناس حجارة سوداً لبناء البيوت. وعلى مقربة من "ذمار" تكون الأرض بركانية. وتوجد الحرار في القسم الشمالي من "وادي أبرد"، وفي الوادي بين "صرواح" و "مأرب". وقد حمل بعض المستشرقين وجود الحرار في اليمن بهذه الكرة وعلى مقربة من المدن القديمة، على تفسير هلاك بعضَ المدن كراب "مأرب" و "حقة" و "شبوة" بتأثير هياج البراكين.
كذلك توجد مناطق حرار في العربية. الجنوبية، في عدن وحضرموت و عُمان وفي الربع الخالي، وقد استعمل القدماء حجارة البراكين في البناء، ولا يزال الناس يستعملونها في البناء حتى اليوم، وقد وجد بين الحجارة المكتوبة عدد من صخور البراكين. وقد استغل الجاهليون بعض الحِوار لاستخراج الكبريت منها، وذكر "نيبور" إن أهل اليمن كانوا يستخرجون الكبريت من جيل يقع في شرقي ذمار، ويظهر إن هذا الجبل بركان قديم.
وتتكون بعض هضاب اليمن من الصخور المتبلورة التي مرت في أدوار طويلة. ويرى العلماء أنها كانت في الأصل تحت سطح البحر، ثم ترسبت عليها طبقات ثخينة من المواد الرسوبية حتى تبلورت و تصخرت. وقد استعملها الجاهليون ولا تزال تستعمل في النوافذ، لتقوم مقام الزجاج. وهناك طبقة طباشيرية وطبقات من صخور رملية غذت المناطق المنخفضة، وهي تهائم اليمن، بالرمال. وكذلك المنطقة التي يقال لها الرمله. وتتكون التربة في تهامة وفي سهل صنعاء من المواد الصلصالية التي تعود إلى الأزمنة "الجيولوجية"، المتأخرة، ومن المتكونات "الأيولينية" التي حصلت بتأثير فعل الرياح في الصخور الرملية. ويكثر وجود الصخور المتبلورة في الحجاز وفي العربية الجنوبية كذلك. وتوجد الصخور والطبقات الرسوبية في اليمن وفي حضرموت وعمان، وقد وجدت في هذه المناطق علائم وجود البترول.
والسواحل الشرقية لجزيرة العرب، أي السواحل الواقعة على الخليج، هي سهول، ولكنها سهول من الرمال في الغالب، ولهذا قلت فيها الزراعة، إلا في المواضع التي تتوافر فيها المياه الجوفية،وتتفجر عيوناً،مثل الأحساء والقطيف. وهناك سباخ ومستنقعات ناتجة من انخفاض الأرض، جوّها غير صحي. والبترول في القرن العشرين، هو الذي أغاث أهل هذه ا الأرض، وجلب لهم الثراء والمال الوافر والسيارات الفارهة وآلات التبريد ووسائل الترف والرفاهية، وبعث فيها الحياة بعد إن كانت خامدة خاملة.
وقد كانت حال هذه السواحل قبل الإسلام أحسن بكثير من حالها في القرن التاسع عشر إلى يوم استنباط البترول في القرن العشرين، بدليل ما نقروه في الموارد التاريخية من أسماء مواضع كانت مأهولة، زالت واندثرت، وأسماء قبائل كانت تنزل بها، اضطرتها أحوال قاهرة متعددة متنوعة إلى هجرها، فقل عدد سكانها بالتدريج.
وتعد البحرين من أكثف المناطق في جزيرة العرب. فان نسبة عدد سكانها بالقياس إلى مساحة أرضها عالية نسبياً قبل الإسلام وفي الإسلام. وسبب ذلك هو توافر الماء فيها، واعتمادها على استخراج اللؤلؤ من البحر و على صيد السمك الذي يقدم للأهلين المادة الأولى للمعيشة. و الماء غير عميق عن سطح الأرض وقد مون عيونا في بعض الأماكن و لهذه المميزات صارت موطنا للحضر قبل الإسلام بزمن طويل.
وفي جزيرة العرب خامات معادن، و من الممكن استغلال بعضها استغلالا اقتصاديا، و من هذه المعادن الذهب، و قد ذكر الجغرافيون العرب أسماء و مواضع عرفت بوجود خام الذهب بها، مثل موضع "بيشة" أو "بيش"، و قد كان به معدن غزير من التبر. و المنطقة التي بين القنفذة و "مرسي )حلج".
و يظهر من المؤلفات اليونانية و من الكتب العربية أن المنطقة التي بين القنفذة و "عتود"، كانت معروفة بوجوج التبر فيها، فكان الناس يشتغلون هناك بأستحلاص الذهب منه، و لهذا رأى "موريتس" أن هذه المنطقة هي منطقة "أوفير" "Ophir" التي ورد ذكرها في التوراة على إنها تصدر الذهب.
و يشاهد في وداي تثليث على مقربة من "حمضة" و على مسافة 183 ميلا من نجران أثار التبر، ويظهر انه كان من المواضع التي استغلت قديماً لاستخراج الذهب منها. وقد اشتهرت ديار بني سليمبوجود المعادن فيها، وفي جملتها معدن الذهب، ويستغل اليوم الموضع الذي يقال له "مهد الذهب"، ويقع إلى الشمال من المدينة باستخراج الذهب منه، وتقوم بذلك شركة تستعمل الوسائل الحديثة، تحرّت في مواضع عديدة من الحجاز الذهب والفضة ومعادن أخرى، فوجدت أماكن عديدة، استغلت قديماً لاستخراج "التبر" منها، ولكنها تركتها لعدم يمكنها من الحصول على الذهب منها بصورة تجارية، تأتيها بأرياح حسنة، واكتفت بتوسيع عملها في "مهد الذهب"، لأنه من أغزر تلك الأماكن بخام الذهب، وظلت تنقب به إلى إن تركت العمل فيه، وحلت نفسها، وتركت كل شغل لها بالتعدين.
وقد ذكر الكتبة اليونان إن الذهب يستخرج في مواضع من جزيرة العرب خالصاً نقيأَ، لا يعالج بالنار لاستخلاصه من الشوائب الغريبة ولا يصهر لتنقيته. قالوا ولهذا قيل له "ابيرون" "Apyron". وقد ذهب "شرنكر" إلى إن العبرانيين أخذوا لفظة "أوفير" من هذه الكلمة.
وقد عثرت الشركة في أثناء بحثها عن الذهب في "مهد الذهب" على أدوات استعملها الأولون قبل الإسلام في استخراج الذهب واستخلاصه من شوائبه، مثل رحى وأدوات تنظيف وِمدقات ومصابيح، وشاهدت آثار القوم في حفر العروق التي تكوّن الذهب، وأمثال ذلك مما يدل على إن هذا المكان كان منجماً للذهب قبل الإسلام بزمن طويل، ولعله من المناجم التي أرسلت الذهب إلى "سليمان"، فأضيف إلى كنوزه، على نحو ما هو مذكور في التوراة.
ويظن بعض الباحثين إن منجم "مهد الذهب" هو المنجم الذي كان لبني سليم، فعرف باسمهم وقيل له: "مدن بني سلُيم"، وقد وهبه الرسول إلى بلال بن الحارث.
وعرفت "أرض مدين" وما والاها من الأرضين في شمال "وادي الحمض"، بوجود التبر فيها. واستخراج الناس له هناك قبل الجلاد بمئات من السنين. وتوجد آثار المناجم التي كانت تستغل مبعثرة في مواضع عديدة حتى اليوم.
وتوجد خامات معادن أخرى فيء الحجاز منها الكبريت والنحاس والقصدير والحديد، وتستخرج الأملاح من الصخور الملحية التي في الحجاز وفي عسير عند جيزان، ويستخرج الأهلون منها مسحوقاً لاستعماله في عمل المفرقعات كما إن هنالك مثل هذه الصخور المحلية في السلف من اليمن. ويمكن الاستفادة من هذه الأملاح فائدة كبيرة من الوجهة الاقتصادية حيث تدخل في كثير من الصناعات.
وفي منطقة "راج" توجد رواسب "البارايت" "Barite"، وتدل البعوث الأولية على أنه من الممكن استخراج عشرة آلاف طن من "البارايت" في كل عام. وتدل الدلائل على إن هنالك منجماً قديماً في منطقة "رابغ" كان يستغل لاستخراج "الكالينه" "Galena"، غير إن النماذج التي فحصت فحصاً أولياً دلت على إن هذه الماسة قليلة فيها. ويظهر إن هناك كميات كبيرة من تراب الحديد في "العقيق" على مقربة من "مهد الذهب" كما شوهدت خامات المعادن في موضع "برم" جنوب الطائف وفي موضع "نفى"، ولا يستبعد العثور على البترول في الحجاز في المواضع المتكونة من الطبقات المترسبة "Sedimentary Formation"، وتوجد في الحجاز الرمال التي تصلح لصنع الزجاج.
وتستغل أرض الأحساء في استخراج "البترول"، ويكثر وجود البترول في العروض حيث حفرت الآبار في الكويت والبحرين، وتدل الدلائل على وجوده في قطر لوممان، كذلك دلت التحريات على وجوده في حضرموت في منطقة "شبوة" وفي المناطق وراء شبوة إلى داخل جزيرة العرب، حيث يحتمل العثور على مناجم للذهب كذلك. ويجري البحث عن البترول في محمية "عدن" وفي اليمن.
ودلت التقارير الأولية على وجود الفحم في حضرموت في منطقة "شبوة"، وتوجد الصخور المحلية مترسبة في بطن طبقات الأرض يقتطعها الأهلون، وتستغل في الأعمال التجارية، كذلك توجد هذه الصخور الملحية في اليمن، وقد تكونت بفعل العوامل "البيولوجية" والضغط المتواصل، فتحجرت بمرور آلاف السنين عليها، وتكمن تحت سطح الأرض في بعض الأماكن حيث تحفر جوانب التلال للوصول إلى قلب مناجم الملح المتحجرة، وقد يفتت باستعمال المواد المتفجرة "الديناميت"، وتستخرج صخوره من بعض المناجم صافيه بيضاء كأنها البلور.مثل الملح المستخرج من "جبل الملح" بمأرب، فإن ملحه كما يقال صاف كالبلور. وتشتهر "السلف" بوجود مناجم ملح فيها، تقع على مسافة أربعين ميلا إلى الشمال من الحديدة. وتوجد في جزيرة "قمران" المقابلة هذا الموضع مناجم ملح، وكذلك في "اللحية".
وإلى وجود مثل هذه الصخور الملحية في كثير من أنحاء جزيرة العرب، يجب أن يعزى ظهور قصص بناء القصور من الملح المنتشرة في كتب التأريخ و الأدب.
ولما كانت أرض اليمن وأكثر الأنحاء الأخرى من الجزيرة، لم تفحص حتى الآن فحصاً فنياً، ولم تطأها أقدام الخبراء، فمن الصعب التحدث عن مواطن المعادن فيها، وعن أنواع التربة، وأثرها في الحضارة الجاهلية.
وقد وجدت مصنوعات حديد في اليمن، عثر عليها في الخرائب والآثار والأماكن العادية، كما اشتهرت اليمن بسيوفها، في الجاهلية وفي الإسلام، غير أننا لا نعرف الآن المواطن التي كانت تستغل لاستخراج الحديد منها، وقد ذكر الرحالة "نيبور" انه كان في " صعدة" منجم، يستخرج منه الحديد، وأن أماكن أخرى كانت تستغل لإنتاج هذه المادة.
وذكر "الهمداني" من معادن اليمن الذهب والفضة، وقال: انه كان يستخرج من "الرضواض" ولا نظير لفضه، والحديد، وكان يستخرج من "نقم" و "غمدان" و "فصوص البقران"، وتستخرج من جبل أنس. و "فصوص السعوانية" وتستخرج من "وادي سعوان" جنب صنعاء، وهو فص أسود فيه عرق أبيض ومعدنه بشهارة وعيشان من بلد حاشد إلى جنب هنوم وظليمة والجمش من شرف همدان، وحجر "العشاري"، وهو الحجر العشاري من عشار بالقرب من صنعاء، والبلور، والمسنى الذي تعمل منه أنصاب السكاكين والعقيق الأحمر، والعقيق الأصفر من الهان والجزع الموشى والمسر، والشزب تعمل منه ألواح وصفائح وقوائم سيوف وأنصاب سكاكين ومداهن وقحفة وغير ذلك. وعرفت اليمن بعقيقها الذي يقال له "عقيق يماني" و "حجر يماني" وهو "الجزع" "Onyx".
وقد بقيت بعض المواضع المذكورة تستغل معادنها في الإسلام، إلا إن تغير الوضع في جزيرة العرب في الإسلام وهجرة كثير من القبائل إلى البلاد المفتوحة، ووجود صناعات فيها ومعادن أثمانها أرخص من أثمان معادن الجزيرة، ثم تقدم العالم بعد ذلك وظهور الثورة الصناعية، كل هذا وأمثاله أثر في وضع التعدين وفي صناعة المعادن في جزيرة العرب، فدثرها، أو تركها مشلولة لا تعمل إلا في حدود مرسومة ضيقة وفي مجال محلي.
وليست دولة الحيوان في جزيرة العرب دولة ضخمة عظيمة، وكيف تكون ضخمة وأكثر أرض الجزيرة عدو للحيوان ولكل ذي روح? والجمل هو الحيوان الأليف الوحيد الذي استطاع بعناده وبصلابته على السير بجبروت و بتبختر فوق رمال الصحارى، غير عابىء بالرياح العاتية التي تذرو الرمال في الأعين، وتنقل أكواما منها معها، تكفي لدفن الجمل ومن عليه أو من معه ومع ذلك فإن هذا الحيوان للصبور العنيد. لم يتوفق أيضاً في تحطيم جبروت البوادي في كل مكان، فظل ت بعضها أرضاً حراماً عليه وعلى السابلة،تحطم من يريد التجاوز عليها والاعتداء على استقلالها، بأن تميته عطشاً، فتفتح ذرات رملها الناعم، وعندئذ تغوص قوائم الجمل فيها فيبقى في مكانه حتى ينفق.
والجمل، هو أيضاً من اقدم الحيوانات التي سمعنا بها عند العرب، وأعزّها. وقد صوّر في النصوص الاشورية، عند ذكر معركة "قرقر" ومعارك أخرى، وقعت بين العرب والآشوربين. و طبيعي إن يقرن الجمل بالبادية، وأن يجعل رمزاً لها، فليسن لحيوان آخر القدرة على اجتياز البوادي واختراقها ونحمل مشقاتها وعطشها مثل الجمل. ثم انه مركب العرب، يحملهم، ومحمل تجارتهم وماءهم،وهو ممولهم بالوبر لصنع البيوت حتى قيل للأعراب "أهل الوبر" ومنه يصنعون أكسية عديدة. ولبن الإبل، هو لبن أهل البادية، وإذا احتاجوا إلى لحم، ذبحوا الجمل، فأكلوه، وأفادوا من جلده.
والجمل ثروة، والثري العربي هو من يملك عدداً كبيراً من الإبل، وتقدر ثروته بقدر ما يملكه منها. وقد كان الجمل مقام "النقد"، أي مقام الدينار والدرهم في الغالب، فبعدد من الإبل يقدر مهر الفتاة، وبعدد من الإبل تفض الديّات والخصومات. وهكذا يتعامل به كما نتعامل اليوم بالنقود.
ويرى العلماء إن الإنسان ذلل الجمل حتى صيره أليفاً مطيعاً له في الألف الثانية قبل الميلاد. وقد ذهب بعضهم إلى إن العربية الشرقية كانت الموطن الذي ذلّل فيه هذا الحيوان في الشرق الأدنى، استدلوا على ذلك بإطلاق العراقيين القدماء على الجمل اسم "حمار البحر"، وقالوا إن قصدهم من "البحر" الخليج، وأن لفظة "الجمل" "جملو" "كَمَلو" في "الأكادية" إنما وردت من بادية الشام، ومعظم سكان البادية هم من العرب، وقد كانوا يستعملون الجمل استعمال الناس للسيارات ولوسائل الركوب في هذا الزمن. وقد استعملوه في الألف الثانية قبل الميلاد،فدخوله من البوادي إلى العراق هو دليل على إن العرب كانوا قد استخدموه أولاً ومنهم انتقل إلى العراق والبلاد الأخرى.
ويرى "البريت" إن البداوة الحقيقية على في ما نعرفها اليوم من السكنى في البوادي والتنقل فيها من مكان إلى مكان، لم تظهر في جزيرة العرب إلا في أواخر النصف الثاني من الألف الثانية قبل الميلاد، وذلك بتذليل الإنسان للجمل وبترويضه له لخدمة أغراضه، ففتح له بذلك أبواب البوادي، وتمكن من التوغل فيها واجتيازها بفضل جمله خادمه المطيع. أما ما قبل الجمل، فقد كان العربي لا يستطيع اجتياز البوادي واختراقها لأن حماره الذي كان واسطة الركوب عنده، لا يتحمل ولوج البادية، ولا يستطيع إن يعيش فيها، وأن يصبر عن شرب الماء أو الأكل صبر الجمل، لذلك كان عرب الجزيرة في الألف الثانية، وقبل وقت تذليل الجمل رعاة في الغالب، وسائط ركوبهم الحمير، ولم يكونوا قد طرقوا البوادي أو توغلوا فيها توغل العرب أصحاب الوبر فيما بعد.
فالجمل أذن هو الذي فتح لأهل جزيرة العرب آفاق البوادي، ووسع البداوة عندهم، حتى جعلها عالماً خاصاً يقابل عالم الحضارة في الجزيرة. وهو الذي صار لهم واسطة لنقل الأموال بالطرق البرية الطويلة التي تربط أجزاء الجزيرة بعضها ببعض، و تربط طرق الجزيرة مع الطرق الخارجية. و بفضل الجمل القادر على تحمل العطش و الصبر على الجوع، و على تحمل الصعاب صار في امكان العرب التنقل إلى مسافات بعيدة من الجزيرة و حمل أثقاله معه. فأستخدم العرب له هو في الواقع ثورة كبيرة في ذلك العهد بالنسبة إلى وسائط النقل و الحمل و في عالم التجارة و الاقتصاد. و من حق العربي إذا ما عبّر عن الغنى إن يعبر بكثرة ما عند الإنسان من إبل.
وقد عرف الجمل بوجود غزيرة الانتقام فيه، و بعدم نسيانه أذى من يؤذيه، لذلك زعم أنه يبقى حاقدا على المسيء إليه حتى ينتقم من و لو بعد زمن طويل, و يظن بأنها من فعل "كَمَلَ" "جَمَلَ" "كامل" "جامل"، أي انتقم، مع أنها تعني "حَمَلَ" أيضا. و قالوا إن معنى " الجمل" "المنتقم" وقالوا إنه سمي بذاك لأنه حيوان منتقم. ومن ثم وصف "أرسطو" و "أربان"، الجمل بأنه حيوان لا ينسى الأذى، سريع الانتقام. وقد يكون لأقوالهما ولأقوال غيرهما في الجمل دخل في تكوّن هذه الفكرة عنه عند الناس حتى اليوم.
الجمل المعروف في جزيرة العرب، هو الجمل ذو السنام الواحد. وهناك نوع من الجمال يقال للواحد منها "الهجين"، وهو الجمل المضرب، ويكون أصغر حجماً من الجمل العربي الأصيل، إلا أنه أسرع عدواً منه. وقد عدّ الجمل عند للعبرانين من موارد الثروة والغنى كذاك، ولذلك عدّ "أيوب" من أغنياء زمانه لأنه كان يملك ألفي جمل، وعد "المديانيون" "أهل مدين" وهم من العرب، أغنياء، لأنهم كانوا يملكون عدداً كبيراً من الجمال.
وللجمل في العربية أسماء كثرة. أما في العبرانية وفي اللغات السامية الأخرى، فلا نجد فيها مثل هد الكثرة. ويقال للجمل "كمل" و "بكرة".ويراد ب "كمل" الجمل. أما "بكرة" فالجمل الصغر. والجمل من أقدم الحيوانات المذكورة في التوراة، وذكر أنه كان لإبراهيم عدد كبير من الجمال. وبالرغم من اشتهار جزيرة العرب بجمال خيلها، وبتربيتها لأحسن الخيل، وبتصديرها لها. فإن الخيل في جزيرة العرب إنما هي من الحيوانات الهجينة الدخيلة الواردة عليها من الخارج، ولا ترتقي أيام وصولها إلى الجزيرة إلى ما قبل الميلاد بكثير. قيل إنها وردت إليها من العراق. ومن بلاد الشام، أو من مصر، وإن وطنها الأصلي الأول هو منطقة "بحر قزوين". وهذا لا تجد في الكتابات الآشورية، أو في "للعهد القدم" أو في المؤلفات "الكلاسيكية"، إشارات إلى تربية الخيل في جزيرة العرب،أو استعمال العرب لها في حلهم وترحالهم وفي حروبهم.
وقد بقي العرب إلى ما بعد الميلاد، بل إلى ظهور الإسلام، لا يملكون عدساً كبيراً من الخيل. وفي غزوات النبي ومعاركه مع المشركين، كان عدد الخيل التي اشتركت في المعارك محدوداً معدوداً، مع أنها كانت مهمة جداً وعدة حاسمة في إحراز النصر. وذلك بسبب قلتها إذ ذاك، وعدم تمكن كل الناس من اقتنائها، إلا من كان موسراً منهم، أو في حال حسنة. فقد كانت تكاليف الخيل، كثيرة لا يتحملها إلا ذوو الدخل الحسن، فالخيل في حاجة إلى عناية ورعاية، وطعامها للمحافظة على صحتها يكلف باهظاً. فلا بد من تقديم الحشائش والحبوب لها ثم إن مجال استعمالها في البادية محدود لأنها لا تستطيع تحمل جوع الصحراء وعطشها تحمل الجمل، كما أنها لا تستطيع السير في رمال البوادي المهلكة المتعبة مسافات بعيدة هذا لم يقبل الأعرابي العادي على شرائها أو تربيتها في تلك الأيام، فصارت من نصيب أهل اليسر والحال الحسنة، يمتلكها ويعتني بها من يملك السيارات في هذه الأيام. كثرتها عند الرجل علامة على ثراء ووجاهته بين الناس.
ونظراً لسرعة الخيل وخفتها في الكر والفر، صارت أهم سلاح لنجاح الغرو وإلحاق الأذى بالعدو، يغير عليها المغير فيباغت خصمه بهجوم سريع خاطف، فيربكه، وهذا أخذت القبائل، ولا سيما القبائل الساكنة في مضارب قريبة من الأرياف ومن الحضر، تشتري الخيل وتعتني بها للمحافظة على حياتها في الدفاع والهجوم. وعدّت القبائل القوية، هي التي تملك عدداً كيرا من الخيل، وصار للفارس مقام خطير في ذلك الزمن، لشجاعته وصبره في الدفاع عن مواطنيه، فهو بمثابة "الكومندو" في هذه الأيام.
واستعملت الخيل للتسلية واللهو واللعب، فتسابق على ظهورها الفرسان في حلبات السباق، وتراهن الناس على السابق، ولعب الفرسان بعض الألعاب: ألعاب الفروسية وخرجوا على ظهورها للصيد، فالصياد للراكب، أقدر من الصياد الراجل على مطاردة الصيد.
وفي القرآن ذكر للخيل كمصدر من مصادر القوة، يرهب بها المسلمون أعداءهم ومصدر من مصادر الثروة، ومصدر من مصادر الزينة وبهجة الحياة الدنيا. وفي الحديث ذكر لها كذلك وثناء عليها. وعُدّت الخيول من الحيوانات الشريفة الرفيعة في التوراة، وصورت على شكل خيول من نار فيها، تهبط على أعداء الرب لتنزل بهم الهلاك والدمار.
أما البغال، فإنها من الحيوانات المعروفة بتحملها للمشقات، وقدرتها على السير في المناطق الوعرة، مثل الهضاب والأرضين المتموجة والجبال. وقد استعملت في الحمل وفي الركوب،وهي تؤدي خدمات في هذه المناطق يعسر على الجمل القيام بها، وقد يعجز عنها. أما هي، فإن من الصعب عليها العمل في البوادي ذات الرمال، كما أنها لا تستطيع الصبر صبر الجمل على تحمل الجوع والعطش أياماً متوالية عديدة، لذلك لم يقبل عليها آهل البادية، ولم يعتنوا بها.
وقد حرم قدماء العبرانيين على أنفسهم تربية البغال، و أول من أباح ذلك وجوز لهم استعمالها هو "داوود"، ومنذ ذلك الحين،أقبلوا على تربيتها والاستفادة منها في أرض فلسطين. ويظهر إن قدماء العبرانيين لم يكونوا يعرفون البغال، فلما وجدوها عند أمم وثنية غريبة عنهم، كرهوا استعمالها فحرموها على أنفسهم، حتى انتبه "داوود" لفائدتها ومنافعها، فاستعملها، ثم قلده في ذلك بقية العبرانيين بالتدريج.
ويظهر إن البغال لم تكن كثيرة الاستعمال في جزيرة العرب حتى ظهور الإسلام. فقد ورد في كتب السهر إن "دلدلاً"، بغلة النبي، "أول بغلة رئيت في الإسلام أهداها له المقوقس، وأهدى معها حماراً يقال له عُفير". وورد أيضاً: "أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بغلة شهباء فهي أول شهباء كانت في الإسلام". وورد: "أهدي فروة بن عمرو إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، بغلة يقال لها فضة".
وورد في القرآن الكريم: "والخيل والبغال والحمر لتركبوها وزينة.."، مما يدل على إن من الناس من استعمل البغال للركوب وللزينة. قد كان من الأشراف والوجهاء من يتخذ البغال للركوب في الطرق الوعرة. أما من هم دونهم في المنزلة، فكانوا يتخذون الحمير.
وقد ورد في شعر ل "بشر بن أبي خازم الأسدي" ما يفيد إن البغال كانت معروفة في بعض المواضع، وأن أبولها كانت تترك وقيعاً أي أثراً على الأرض. والظاهر انه قصد بعض الأرضين الوعرة التي كان من الصعب على غير البغال السير بها، وذلك مثل بلاد اليمن التي كانت تستعمل البغال للركوب وترفع الأثقال.
والحمير هي أول واسطة للركوب وللحل عند الحضر وأهمها، هي للحضري مثل الجمال للبدوي، وهي مركب مربح لا يسبب ازعاجاً، ولا سيما إذا كان اتاناً، لأنها أهدأ وآمنْ من العثار. هذا، إلى أنها صبورٌ تتحمل المشقات، ولعلّ صبرها وتحملها وسكوتها عند ضربها، قد حمل كل الناس على وسمها بالبلادة. فشبه البليد بالحمار، فإذا أريد تعبير شخص بالبلادة وعدم الفهم قيل إنه "حمار". ليس ذلك عند العرب وحدهم، بل عند غيرهم من الشعوب القريبة منهم مثل العبرانيين، والبعيدة عنهم فشهرة الحمار بالبلادة شهرة عالية. ويقال للحمار "حامور" "Hamor" في العبرانية. أما الأنثى، فإنها "أتون" "Athon" أي "أتان" في العربية. و أما الحمار الصغير، وهو ما يقال له "الكر" أو "الجحش"، فإنه "عير" "Ayir" في العبر انية.
ويظهر من ملاحظات بعض الباحثين إن الحمار في جزيرة العرب هو اقدم عهداً من الجمل ومن الخيل والبغال، إذ كان واسطة الركوب والتنقل في اوائل الألف الثانية قبل الميلاد. فلما حل الجمل محله خفف من واجباته وأعماله، وصار عند العرب في منزلة هي دون منزلة الجمل بكثير.
والبقر من الحيوانات القديمة في بلاد العرب، وهي من الحيوانات الملازمة لأهل الحضر في الغالب، ولا سيما لأهل الريف، أما الأعراب فإن استفادتهم منها غير ممكنة وتكاليفها كثيرة بالنسبة إليهم، ثم إنها لا تستطيع تحمل طبيعة البادية، لذلك لم يقبلوا عليها، ولم يعتنوا بتربيتها، بل ربما نظروا إلى أصحابها نظرة ازدراء وعدم احترام. و يستفاد من ألبانها ومن لحومها وجلودها، كما يستفاد منها في حرث الأرض، وفي سحب الماء من الآبار، وفي جر العربات. وقد عثر على ألواح مكتوبة بالمسند وعليها صور ثيران تقوم بحراثة التربة لتهيئتها للزرع.
والأغنام، هي المادة الرئيسية لتموين الناس باللحوم والصوف. تربى في كل أنحاء جزيرة العرب، ويستفاد من ألبانها كذلك. أما "المعز" فيربى في المناطق المتموجة، أي ذات التلال، وفي الأرضين الجبلية بصورة خاصة. ويستفاد منها مادة للحوم وللحليب وللجلود، ويستعمل شعرها للخيام السود المصنوعة من شعرها في تلك الأزمنة. ولكن هذه الأنواع من الماشية،لا تستطيع العيش في البادية، لذلك كانت من نصيب أهل المدن وحدهم. أما أهل الوبر الضاريون في البادية فإن ماشيتهم الوحيدة الإبل.
وعرفت جزيرة العرب الأسد، الذي قلّ وجوده فيها في الإسلام، ويظهر من كثرة أسمائه في اللغة ومن ورود اسمه في الشعر الجاهلي، أنه كان كثيراً فيها، وقد اشتهرت أماكن خاصة منها يكثرة أسودها حتى قيل لها "مآسد" والواحدة "مأسدة". ومن هذه الأماكن "عثّر"، واليها نسبت "أسود عثر"، و "عتود" وهي قرية نسبت إليها الأسود كذلك. وقد عرف الأسد بشدة بطشه وبقوته وبسيادته على سائر مملكة الحيوان في القوة، ولهذا لقبوا الشجاع الذي لا يقهر أسداً.
أما بقية الحيوانات المعروفة باسم الحيوانات الوحشية، أي التي لم تألف الإنسان، فمنها النمر والفهد والثعلب والذئب والقط الوحشي والضبع والبقر الوحشي، أو الرئم والحمار الوحشي، وقد كان الجاهليون يصطادونه ويأكلونه عند الحاجة، حتى حرمه الإسلام، والنعامة والغزال والضَبّ، وله ذنب معقد، و يأكله الأعراب. والورل والوزغ، واليربوع، والقنفد. ولا تزال مواضع من اليمن والحجاز وحضرموت تحتضن قردة تتيه وحدها على الجبال والمرتفعات، فخورة بأنها من نسل تلك القرود التي عاشت قبل الإسلام بأمد طويل.
وعرف العقاب والبازي والنسر والصقر والبوم من بين الكواسر التي تنقض على الطيور الضعيفة والهوام فتعيش عليها، والغراب بأنواعه معروف في جزيرة العرب وله قصص في الأساطير العربية،وهذا الطائر قصص في الآداب الأعجمية كذلك، لها علاقة كما هي عند العرب بالتفاؤل والتشاؤم بصورة خاصة وكان من الحيوانات التي تركت آثرا في أساطير الشعوب القديمة وما برح الناس يتطيرون من نعيبه. والهدهد المذكور في القرآن الكريم، من الطيور الجميلة المحبوبة، وهناك أنواع عديدة من الحمام والعصافير والقطط والعنادل، وغيرها من الطيور الجميلة ولبعضها أصوات جميلة أخاذة ساحرة، كما إن لبعضها ألوانا زاهية.
والجراد، وان كان طعاما شهياً لكثير من البدو، بلاء على أهل الحضر يأكل زرعهم ويأتي على ما غرسوه فتحل. بهم المجاعة، ويزيد في قساوة الطبيعة على الإنسان. ولذلك عد نقمة توجهها الآلهة على البشر، وتعبيراً عن الغضب الإلهي على الخارجين على طاعة الآلهة، ولما كان يحدثه من أضرار بالزرع والأثمار و الأشجار.
والعقارب ذات أحجام وألوان، وهي تلغ من تصيبه فتؤذيه وتؤلمه إيلاماً شديداً، وهي مثال الحقد واللؤم عند العرب. يضرب المثل بطبيعتها، على عكس الأفاعي والحيّات، مع أنها مؤذية كذلك، وقد تميت من تلدغه. والسبب في ذلك أنها أكبر حجماً من العقرب، وفي استطاعة الإنسان رؤيتها وتجنبها، ثم إنها لا تقدم على الإنسان ولا تلدغه إلا إذا شعرت أنها في وضع حرج مخيف بالنسبة إليها. ولهذا ورد في الأمثال: "نحو العقرب لا تقرب، نحو الحية افرش ونم "، وزعم إن العقرب عمياء مع أنها ترى مثل سائر الحيوانات. ولكن صغر حجمها ولونها الذي يقرب من لون التراب، وكثرة وجودها في البيوت، هي عوامل تجعل الإنسان لا يميزها بسهولة، ولا يشعر بها إلا وقدمه عندها أو فوقها، فتلدغه عندئذ دفاعاً عن نفسها، كما يفعل أي حيوان آخر باستعمال ما عنده من وسائل الدفاع عن النفس.
وقد تركت الأفاعي والحيّات أثراً كبيراً في القصص العربي ولما كان بعضها كبير الحجم، يقفز على من يهاجمه بسرعة خاطفه، أفزع الناس في البوادي والأودية، وترك في مخيلاتهم باقية لا تنسى. جعلهم يربطون بين الحيات والأفاعي والعفاريت، وبين الجن "الجان"، بأن جعلت فصائل منها.
وتعيش في الرمال وفى الغابات وبين الصخور، فصائل من الحيات مختلفة الأحجام، بعضها صغير، يقفز قفز بعض السمك فوق سطح البحر، أو الهوام وبعض الحشرات فوق سطح الأرض. فلا يشعر المار إلا وأمامه حية قافزة تفزعه وترعبه. وقد طار صيتها وانتشر خبرها خارج حدود جزيرة العرب، فوصفت بلاد العرب بكثرة الحيات الطائرة، حتى زعم إن لبعضها أجنحة، وأنها ذات ألوان متعددة، وكوّن وجودها قصصا في مخيلة الآشوريين واليونان والرومان، نرى أثره فيما ذكره "هيرودتس" و "سترابو" عن تلك الحيات.
وقد فزع جيش "أسرحدون" في أثناء اختراقه البادية من كثرة الثعابين والحيات التي كانت تثور عليهم وتقفز أمامهم كما يقول نص "أسرحدون". وذكر إن من بينها ثعابين ذات رأسين، وأن من بينها ما له جناح فيطير. ولما مرّ الجيش بأرض "بوزو" "بازو" "Bozu" "Bazu"، وجد الأرض مغطاة بالثعابين والعقارب، وهي في كثرتها مثل الذباب والبعوض. والظاهر إن البوادي كانت منازل طيبة للثعابين. وقد تذمر الاسرائيليون من "الثعابين الطائرة" وفزعوا منها عندما كانوا يقطعون البوادي والفيافي في طريقهم إلى فلسطين. وقد أفزعت السياح المحدثين والمستشرقين، ومنهم "لورنس" الذي هاله ما رأى من كثرة الثعابين في الأماكن التي نزل بها وفي جملتها "وادي السرحان".
والسمك هو من أهم مواد. العيش لسكان سواحل الجزيرة، يعيشون عليه ويبيعونه لحماً جافاً ويصدرونه إلى الأماكن البعيدة ويحملون الطري منه إلى الأماكن التي لا تبعد كثيراً عن الساحل. ويجفف ويدق ليكون طعاماً عند الحاجة إليه، كما يكون صعاما لحيواناتهم كذلك. ولا يزال سكان السواحل يصيدون السمك بالطرق التي تعوّد آهل الجاهلية استعمالها في السمك. ويأتي سمك "السردين" أي السمك الصغير في مواسم الشتاء إلى السواحل بكثرة، فيصاد بسهولة وتغذى به الحيوانات. وطالما تنبعث الروائح الكريهة ويتراكم الذباب بدرجة منفرة من تكدس الأسماك المعرضة للشمس لتجفيفها، فتكون من شر الأماكن لمن لم يتعود دخولها.
ومن أنواع السمك الكبر الذي يوجد في البحر الأحمر و في البحر العربي و الخليج، نوع يقال له "القرش"، يحتاج صيده إلى مهارة و براعة ، و يحمل لبيع لحمه مقطعا في الأسواق.
و قد اشتهرت اليمن و الطائف في الحجاز و مواضع أهل الخضر الأخرى بدباغة الجلود و معالجتها لتحويلها إلى مادة نافعة لصنع الأحذية أو الدلاء أو القُرَب و ما شابه ذلك. و قد تصدَّر الجلود مدبوغة، إلى العراق أو إلى بلاد الشام لبيعها هناك.
و ليست لدينا في الزمن الحاضر دراسات علمية دقيقة عن أنواع الحيوانات التي عاشت في جزيرة العرب في العصور السحيقة لما قبل الإسلام. فما عثر عليه من بقايا عظام قديم، أو أصداف و محار، هو قليل لا يكفي لإعطاء أحكام علمية عن حيوانات جزيرة العرب في العصور البرنزية و الحديدية و الحجرية، أو ما قبل هذه العصور التأريخية. فليس لنا إلا الانتظار، حتى تأتي الفرص الملائمة التي يقوم فيها العلماء المتخصصون بالتجوال في مختلف المناطق بحثا عن آثار عظام وهياكل، تكشف القناع عن ذلك العالم الحي، الذي عاش في هذه البقاع قبل آلاف السنين.
وإذا كان الجمل، هو رمز جزيرة العرب، لالتصاقه بها، فإن النخيل هي رمز آخر لها، وكناية عن أهم حاصل و منتوج زراعي تصدره تلك البلاد، ولهذا صارت رمزاً لها. وصار "التمر"، عند كثير من المسلمين من أهم ما يتناولونه في شهر رمضان، للإفطار به، لأنه رمز الإسلام ورمز المدينة التي عاش وتوفي فيها الرسول.
وكما أفاد الجمل أهله الفوائد المذكورة المعلومة، من ناحية حمله ولحمه وجلده ووبره، كذلك أفادت النخلة سكان جزيرة العرب فوائد عديدة، حية وميتة، أفادتهم في تقديم ثمرة صارت إداماً للعرب، وطبّاً يستطبون بها لمعالجة عدد من الأمراض. ومادة استخرجوا منها دبساً وخمراً وشراباً، وأفادهم كل جزء من أجزائها، حتى أنهم لم يتركوا شيئاً من النخلة يذهب عبثاً. فهي إذن رمز الخير والبركة بكل جدارة وحق لأهل جزيرة العرب، لا يدانيها في ذلك أي نوع من أنواع النباتات النامية في هذه البلاد.
وكائن له هذه الفوائد والمنفعة، ينمو ويثمر بسهولة ويسر، لا بد إن يثمن ويقدر، ويميز على غيره. وهذا صارت النخلة سيدة الشجر، لا عند العرب وحدهم بل عند قدماء الساميين أيضاً، وأحيطت عندهم بهالة من التقديس والتعظيم. وزخرفت معابدهم بصورها واستعمل سعفها الأخضر في استقبال الأعياد والأبطال والملوك وكبار الضيوف، لأنه علامة اليُمن والبركة والسعادة والفرح. ولا يزال السعف زينة تزين بها الشوارع في المناسبات العامة المهمة حتى اليوم. وقد عثر على صورها وصور سعفها على النقود القديمة وفي جملتها نقود العبرانيين الدين يحترمون النخلة احتراما لا يقل عن احترام العرب لها، وهذا ورد ذكرها في مواضع عديدة من، التوراة والتلمود.
والنخيل، هي مثل الجمال ثروة ورأس مال يسر على صاحبه ربحاً وافراً. ومن كان له نخل وافر كان غنياً ثرياً. وقد ربح يهود الحجاز أرباحاً طائلة من اشتغالهم بزراعة النخيل هناك. فالتمر هو مادة ضرورية للأعرابي يعيش عليها ويأتدم بها، و إذ هو لم يكن يفلح ولا يزرع، كان يشتريه مقايضة في الغالب من تجار التمور، فيكسب أصحاب النخيل أرباحا طائلة من بيعهم التمور. ولا يوجد مكان في جزيرة العرب فيه ماء، إلا والنخلة هي سيدة المزروعات فيه، بل تكاد تكون النبات المتفرد بالزرع في أكثر تلك الأمكنة. لا يزاحمها نبات آخر من النبات.
والنخلة هي من أقدم الأشجار التي احتضنها الساميون، وللفوائد التي حصل الساميون عليها من هذه الشجرة.، هي التي حملتهم على تقديسها وعدّها من إلاشجار المقدسة، فنجد النخلة مقدسة. عند قدماء السامين وعدّوا ثمرها وهو التمر من الثمار المقدسة التي تنفع الناس.
أما الكروم، فقد غرست في مناطق من الجزيرة اشتهرت وعرفت بها مثل الطائف واليمن. و أما الأشجار المثمرة الأخرى مثل الرمان والتفاح والمشمش وأمثالها، فقد غرست في مناطق عرفت بالخصب، وبتوافر الماء فيها، ويميل أهلها إلى الزراعة والاستقرار، مثل مدينة "الطائف" مصيف أهل مكة منذ الجاهلية، واليمن. وقد ذكر إن الكروم دخلت إلى بعض المناطق حديثاً، فورد أنها دخلت إلى "مسقط" مثلاً في القرن السادس عشر للميلاد، على أيدي البرتغاليين، ودخلت إلى الحجاز في القرن الرابع بعد الميلاد غريبة من بلاد الشام. ويرى بعض الباحثين إن النبط واليهود كانوا الوسطاء في نقل الأشجار المثمرة إلى الحجاز.
?ما أشجار ضخمة تمد الناس بالخشب على نحو ما تجده في. الهند أو في إفريقية، فلجفاف الجزيرة لا نجد فيها مثل تلك الأشجار. لذلك استورد العرب خشب سفنهم ومعابدهم وبيوتهم من الخارج في الغالب، من إفريقية ومن الهند، خلا الأمكنة القريبة من الجبال والمرتفعات التي يصيبها المطر، وتصطدم بها الرطوبة، فقد نبتت فيها أشجار كونت غابات وأيكات، أفادت من في جوارها، إذ أمدتهم بما احتاجوا إليه من خشب لاستعماله في مختلف الأغراض. وقد كانت منطقة "حسمى" و أعالي الحجاز ذات غابات، وقد تعبّد أهلها لإله اسمه "ذو غابة"، إلهَ الغابات، كما كست الأحراج الطبيعية والغابات جبال اليمن وجبال حضرموت وعُمان.
وما زال أهل العروض ولا سيما سكان الخط، يستوردون أخشاب سفنهم من الهند، لعدم وجود الخشب الصالح لبناء السفن عندهم أو في أماكن قريبة منهم. وهم في ذلك على سنة أجدادهم الذين عاشوا قبل الإسلام بل قبل الميلاد، يذهبون بسفنهم الشراعية إلى سواحل الهند وسيلان تحمل إليها التمور وحاصلات جزيرة العرب والعراق وتعود بهم محملة بحاصلات الهند ومنها الخشب الثمين للاستفادة منه في بناء السفن ولاستعماله في المعابد الضخمة المهمة وفي قصور الملوك.
والسدر من الأشجار المعروفة في جزيرة العرب، وترتفع شجرته أمتاراً عن سطح الأرض، وتكوّن ظلا يقي من يجلس تحته لهيب الشمس ووهجها المحرق. وتكون له ساق قوية متينة. وهو لا يحتاج إلى سقي دائم، لأن جذوره تمتد عميقة في باطن الأرض، فتمتص الرطوبة، ويعطي ثمراً هو "النبق"، ويستعمل ورقه استعمال الصابون في تنظيف الجسم.
وأشجار مثل السدر ذات ارتفاع وظل، وهي أشجار ذات نفع كبير لأهل البلاد التي تغلب عليها طبيعة الجفاف، لا يمكن إن يقدر أهميتها وفائدتها إلا من ركب الصحراء في يوم حار، ثم جاء فجأة فجلس تحت ظل شجرة تقيه وتقي حيوانه من لهب الشمس، سيرى نفسه في جنة وسط جهنم. فلا عجب إذا ما عبد بعض العرب وبعض الساميين مثل هذه الأشجار، وتقربوا إليها بالنذور والقرابين، وتوسلوا إليها، أو عدّوها من الأشجار المقدسة، من الأشجار المباركة، من أشجار طوبى، الأشجار التي وعد بها المتقون في الجنة.
وقد عبد قدماء العبرانيين بعض الأشجار المثمرة، وعدّوها إلاهة أنثى، لا إلهاً ذكراً، وذلك لخاصية الحمل التي فيها. وقد تصوروا إن للقمر أثراً في حمل تلك الأشجار، أي في إعطاء الثمرة.
وُقد ذكرت أسماء بعض الفواكه والأثمار والأشجار في القرآن الكريم، ويدل ذلك على وجودها في الحجاز، واستعمال الناس لها، ووقوفهم عليها، مثل التين والزيتون والأعناب والطلح والسدر والرمان وعلى وجودها وزرعها في الحجاز، قبل الإسلام بأمد. ولم يكن الحجاز مثل اليمن وحضرموت في كثرة الأشجار والفواكه، وذلك لجفافه بالقياس إلى جو العربية الجنوبية الذي ساعد على نموّ الأشجار.
والأثل والأدراك والغضى الذي يستخرج منه الفحم، والمعروف بجمره، و "السنط"، والسمح، و "الصعتر"، وأمثالها، هي من الأشجار التي لا تزال تنمو وتعيش في مواضع متعددة من الجزيرة، وبعضها في الأقسام الغربية والجنوبية حيث تنمو وتنبت على المرتفعات، يستخرج منها الناس وقوداً، أو ثمراً بريا يأكلونه، وقد يستفيدون من ورقه فيجففونه ويسحقونه فيبيعونه.
و أما الحبوب والخضر والبقول، فتحتاج كلها إلى سقي، لهذا انحصرت زراعتها في الأماكن التي تتوافر فيها المياه أو تتساقط عليها الأمطار في المواسم المناسبة. لذلك نجدها في الحجاز وفي اليمن وفي العربية الجنوبية وفي مواضع المياه من نجد والعروض. والحبوب هي الحنطة والشعر والذرة والأرز،وسأتحدث عنها وعن بقيتها في باب الزراعة عند الجاهليين. وبعض الخضر، مستورد من الخارج، أدخل من العراق أو من بلاد الشام أو من إفريقية والهند، فالبطيخ مثلا المعروف بع "الخربز" عند أهل المدينة مستورد كما يدل عليه اسمه الفارسي من العراق: استورد قبل الإسلام بأمد. ويمكن الاستدلال من أسماء الأثمار والخضر، ومن دراسة توزيعها وأماكن وجودها،على الأماكن التي جاءت منها، فدخلت جزيرة العرب قبل الإسلام.
أما "البخور" واللبان - بترول العالم في ذلك الزمان - والصموغ والمرّ والمنتوجات الزراعية الأخرى التي اشتهرت بها العربية الجنوبية، وكانت مصدر رخائها، ومصدر تنافس الدول الكبرى عليها في ذلك الزمان، فقد زالت أهميتها بالتدريج، وذهب أثر سحرها بتبدل الأيام. و "ظفار" والمناطق الأخرى" وان كانت لا تزال ترى أشجار البخور تنبت على الفطرة حتى اليوم، قد زالت دولتها الآن، فلا تأتي للسكان بالذهب والفضة، فقد تغير ذوق العالم، وتبدلت تجارته، وصار يفتش عن الذهب الأسود، منتوج الطبيعة في باطن الأرض.
وفي هذه المواضيع من العربية الجنوبية وفي الأودية وحافات الهضاب والجبال التي كانت تنبت بها تلك المواد الثمينة، والتي لا تزال تنبت على الطبيعة، تشاهد كهوف ومغاور غريبة وآبار وكتابات جاهلية بالمسند، وآثار مقابر تتحدث كلها عن قوم كانوا قد استوطنوا هذه الأماكن قبل الإسلام بزمان طويل. أما الان، فهي خرائب، ترجو من الأحياء توجيه نظرهم إليها لإحيائها ولاستنطاق آثارها وكنوزها لتحدثهم عن ماضيها القديم.
وقد حبت الطبيعة اليمن بمزية جعلتها تحتضن كل النباتات المذكورة، وتنبت اكثر أنواع المزروعات، وذلك بانعامها عليها بجبال وبمرتفعات وبمنخفضات حارة رطبة، هيأت لها ثلاثة جواء، تنتج محصولات ثلاثة أنواع من المناخ: منتوج المناخ المرتفع البارد، ومنتوج المناطق المعتدلة، ومنتوج المناطق الحارة.
وقد عرف أهل اليمن الأذكياء كيف يستغلون تربتهم، فعملوا مدارج على سفوح جبالهم وعلى المرتفعات، أصلحوا تربتها، وذلك لحصر مياه المطر عند نزوله، ضماناً لدخوله التربة وإروائها، وزرعوا تلك المدارج أو السلالم العريضة بمختلف المزروعات وذلك قبل الإسلام بأمد طويل، فأمنوا بذلك خيراً وافراً لهم، جعل اليمن من أسعد بلاد جزيرة العرب، فهي العربية السعيدة والعربية الخضراء بكل جدارة، وهي موطن الحضارة وأرقى مكان نعرفه في الجزيرة في أيام ما قبل الإسلام.
ومن النبات ما هو دخبل استورد من الخارج، من العراق أو من بلاد الشام، وقد احتفظ قسم منه باسمه الأعجمي القديم. ويظهر إن بعضه قد دخل بعد الميلاد. وقد يكون من المفيد دراسة نبات جزيرة العرب قبل الإسلام، لمعرفة الدخيل منه وكيفية وصوله إلى الجزيرة، كما يستحسن دراسة الكتابات الجاهلية لاستخراج ما ورد فيها من أسماء النبات.
و أما البوادي فإن ظروف الخصب و النماء فيها محدودة، تركزت في مواضع المياه و في الأماكن الرطبة التي تكون المياه الجوفية فيها على حافة القشرة، و في أعقاب الأمطار، حيث تخضر الأرض و تلبس حلة سندسية جميلة، لكن لبسها لا يدوم طويلا، فسرعان ما تمزقها الرياح الجافة و الاهوية الحارة ، فتقضي عليها وتظهر حقيقة ما تحتها من تربة جافة عبوس، لا مكان للنبات فيها ولا مجال لزرع فيها في مثل هذه الظروف.
والواحات ومواضع الآبار والمياه في البوادي، هي رحمة للإنسان حمّاً، ومنظر تقرّ به العين. فالواحة في البادية، لؤلؤة وكنز وجنة وسط جحيم، لا يدرك جمالها ولا يعرف قدرها إلا من اضطر إلى ركوب البوادي وتعرض لرياح السموم ووهج الشمس وعواصف الرمال تستقبل الأوجه بذرات الرمل الناعمة، تهاجم العيون والأنوف والأفواه، وتضطر حتى الجمل إلى البطء في سيره والى التوقف، ثم تأتي على ما لدى الإنسان من ماء حرص على حمل أكبر كمية يستطيع حملها للوصول إلى مكانه المقصود لضمان حياته في هذه البادية وحياة حيوانه الذي هو فيها جزء من حياته أيضا. ولولا الآبار والواحات في هذه البوادي، لما كان من الممكن طرقها وسلوكها، وإلا كان الدمار والهلاك.
وفي هذه المواضع التي حبت مما الطبيعة ب "إكسير الحياة" يستعيد المسافر نشاطه ويتجدد أمله، ويسترد قواه، يعطيه ماؤها قوة تعيد إليه كبرياءه وعظمته وجبروته، ثم تنسيه كل ما تعرض له من مصاعب ومشقات، وما أبداه من عجز وضعف تجاه القوى الخفية القادرة المهيمنة على الصحراء. وعندئذ يتذكر حكمة: )وجعلنا من الماء كل شيء حي(. ويشعر ببحر الماء والخضراء، يسحر هذه الأشجار والشجيرات والأعشاب النامية في هذه التربة بفضل "إكسير الحياة". ومهما كان الإنسان في هذا المكان من السذاجة والبلادة والجهل، فلا بد إن يستولي عليه شعور من حيث لا يشعر بعظمة سحر هذا المكان.
أما الغرباء الذين يعجبون من تقاتل العرب فيما بينهم على موضع صغير فيه بئر أو بركة ماء أو عشب، فإنهم سيدركون سر هذا التقاتل في حياة أهل البادية لو كلفوا أنفسهم يوماً اجتياز تلك البوادي الواسعة العابسة. عندئذ فقط، يدركون إن ذلك القتال الذي وسم أهل البادية بسمة حب الغزو والغارات لم يكن سببه فردية وأنانية، وإنما غريزة إنسانية تغلبت في كل إنسان متى عاش في هذه الظروف القاسية العابسة الفقيرة. إنها غريزة المحافظة على الحياة.
ولا غرابة بعدُ إذا ما تغنى العربي. بمواضع المياه والبادية بعد نزول الغيث عليها، و إذا ما أظهر الحنين إليها، وتوجع في شعره وفي غنائه على الليالي المقمرة يقضيها في باديته يناجي سماءه الصافية ونور قمره الساطع يغازله وبوحي إليه، ويرسل أليه النسمات العليلة، والى جانبه حبيببته. يذكر حسه هذا في شعره وفي غنائه وفي موسيقاه، حتى ليبدو للغريب، وكأن ما يقوله العربي ويحس به نغمة واحدة ساذجه مكررة تعاد وتعاد من غير معنى ولا سبب. ولكن حسه هذا حس الصحراء، وليس في الصحراء غير نغم واحد، تترنم به الطبيعة، فإما هدوء شامل، و أما نسمة واحدة عليلة مشمرة، و أما عواصف رملية، إذا هدأت عاد إلى الصحراء هدوؤها المعهود.
ومناخ جزيرة العرب - على الهموم - حار شديد الحرارة، جاف، إلا على السواحل، ولا سيما في التهائم، فإن الرطوبة تكون عالية فيها، ولهذا يتضايق الناس من أثر الحر فيهم، مع إن الحرارة ذاتها فيها لا تكون عالية كثيرا، و إنما مبعث هذا التضايق هو من الرطوبة المصحوبة بالحرارة، ولهذا صار بعض مواضع التهائم من شر الأمكنة على وجه هذه الأرض.
ولهذا الجو الرطب الحار أثر في حالة الناس، في صحتهم وفي نشاطهم. فانتشرت الأمراض في الأماكن التي تكثر فيها السباخ والمستنقعات، وفتكت بالناس، وتكدس فيها الذباب وتجمعت الحشرات لملاءمة مثل هذه الأجواء لمعيشة هذه المخلوقات.
ولهذا السبب المذكور، عاشت في هذه الأرضين ونمت النباتات التي تألف المناطق الحارة الرطبة، والأعشاب التي تعيش على المستنقعات وفي الأرض الرطبة، من حشائش وقصب وأعشاب.
أما في الداخل، فإن الحرارة فيها تكون جافة، ولهذا فإنها لا تكون حديدة الطبع، على نحو حر السواحل. ويتلطف الجو في الليالي في النجاد، فيكون الليل رحمة للناس ينسيهم قسوة النهار وشدة حرارته، وفقر الحياة، لا، سيما إذا كمل القمر، وصار قرصاً يسحر الناظرين. فإن سحره يكون عاماً، يشمل الغني والفقير، ويبعث في النفوس الرقة والحنان، ويثير فيها عواطف الشجن المنبعثة من قسوة الحياة وشحها وفقر الأرض، فتأخذ النفوس الرقيقة في مناجاته بقيثارة بسيطة ذات ثقوب، ينفخ فيها لتخرج منها أصواتا تسع القمر فعل سحره في نفس الإنسان المعذب في النهار المحروم من طيب الحياة التي ينعم بها أهل الأرضين الآخرون، أو بآلات بسيطة أخرى صنعوها بأيديهم لتعبر أناملهم وأوتار آلاتهم الساذجة عن إحساسهم الحزين،ثم لا يكتفي أصحاب هذه النفوس الرقيقة في الغالب بإِرسال نغمات الحس العميق من آلة، بل يقرنون تلك النغماتالحزينة بنغمات بشرية تنطق بما في قلب الإنسان من حس وألم دفين، يوحيه إليه ألم الحرمان، ودغدغة النسيم العليل، وسحر القمر وتلألؤ مصابيح السماء. فتخرج نغمات شجية حزينة، تعاد وتكرر، لتسبح السماء على هذا الجمال الساحر، ولتفسر للسامع نوع الحياة في هذه البقاع التي وهبتها الطبيعة عاطفة عميقة، وسحراً فاتناً في الليل، وحرمتها خيرات الدنيا في أثناء النهار، ولتخبره بهذه النغمات المعادة إن الحياة هنا بسيطة لا تعقيد فيها ولا التواء وأنبا معدودة محدودة، وعودة وتكرار.
وقد يعجب الغريب من تغزل العرب ب "ريح الصبا"، ومن مسحهم لها إلى حد يبلغ الإفراط، فليس في أشعار العالم، ولا في نثرهم، شعر أو نثر فيه هذا القدر من التغزل بريح من الرياح. وقد لا يفهم الغريب أي تعليل يقدم إليه ولا يقبله، وخير جواب يقدم إليه هو حضوره بنفسه إلى جزيرة العرب للاستمتاع بلذة "الصبا" في ليلة مقمرة من ليالي الجزيرة، وسيعرف عندئذ سحر دلال "الصبا" وسحر تغزل العرب بها، على عكس "السموم"، التي تشوي الوجوه، وتعمي العيون، فتجعل الشعراء يلعنونها، والناس يتذاكرون ثقلها وشدتها عليهم وما ألحقته بهم من مهالك وأضرار.
والمطر هو غوث ورحمة لسكان جزيرة العرب، يبعث الحياة للأرض، فتنبت العشب والكلا والكمأة والأزهار، ويحول وجهها العابس الكئيب إلى وجه مشرق ضحوك، فيفرح الناس وتفرح معهم ماشيتهم، ويخرج أهل الحضر إلى البادية للتمتع برؤية البساط الأخضر المطرز بالأزهار، وللاستمتاع بالمنظر الساحر الذي كسا الربيع به وجوه البوادي، ولصيد الغزلان والحيوانات الأخرى التي جاءت هي أيضاً من مآويها لتشارك الطبيعة في فرحتها، ولتشبع نفسها بعد جوع وعطش. وتفرح الإبل، ويدر لبنها، ويكثر نسلها، وتتضاعف بذلك ثروة أصحابها، ويسير الجمل متبختراً فخوراً بنفسه معتزاً، بطراً لا يقضم منها إلا ما يعتقد أنه طعام لذيذ له، يقضم من موضع ثم يتركه بطراً إلى موضع آخر، وقد كان قبل ذلك من جوعه يأكل كل ما يقع بصره عليه ويراه. أفليس من حق العرب أذن إن تسمي المطر "غيثاً" ? وأن تفزع وتتوجع من انحباسه، وأن تفزع إلى آلهتها تتوسل إليها لإرسال سحب المطر إليها، وتتقرب إليها بالدعاء وبصلوات "الاستسقاء" و "الاستمطار"، لترسل إليها غيثاً يغيثها ويفرج كربتها يدرأ عنها مصيبة تنزل بها إن انحبس المطر ? لذلك كان انحباس "الغيث" عنه العرب كارثة يتألم منها النإس، ويكابد من فداحتها الحيوان.
والجفاف هو الصفة الغالبة على جوّ جزيرة العرب، فالأمطار قليلة والرطوبة منخفضة في الداخل إلا التهاثم والسواحل، فإنها تنتفع فيها كما ذكرنا. ولكن الطبيعة رأفت بحال بعض المناطق، فجعلت لها مواسم تنزل فيها الغيث، لإغاثة كل حي، وأهمها اليمن. أما عمان، فينزل فيها مقدار منه، ينفع الناس ويعينهم على تصريف أمورهم. و أما باقي الأقسام، فإن أكثرها حظوة ونصيبا من المطر، هي النفوذ الشمالي، وجبل شمر، فتنزل بها الأمطار في الشتاء، فتنبت أعشاب الربيع. و أما الصحارى الجنوبية فلا يصبها من المطر إلا رذاذ، وقد تبخل الطبيعة عليها حتى بهذا الرذاذ.
وينهمر المطر أحياناً من السماء وكأنه أفواه قرب قد تفتحت، فيكوّن سيولاً عارمة جارفة تكتسح كل ما تراه أمامها، وتسبل إلى الأودية فتحولها إلى أنهار سريعة الجريان. وقد لاقت "مكة" من السيول مصاعب كثيرة، وكذلك المدينة والمواضع الأخرى وقد يهلك فيها خلق من الناس، وتسيل مياه السيول إلى مسافات هي تصب في البحر، وقد تبتلعها الرمال فتغوص فيها وتجري في باطن الأرض مكونة مجاري جوفية، تقترب وتبتعد عن قشرة الأرض على حسب قربها أو بعدها منها، وعلى حسب قرارة المكان الذي تسيل عليه. وقد تبلغ البحر فتدفق عيوناً في قاعه، كالذي نشاهده في الخليد بين الساحل والبحرين. وقد استفاد أهل اليمن بصورة خاصة وأهل حضرموت والحجاز من السيول بأن بنوا سدوداً للسيطرة عليها، ولحبسها إلى حين الحاجة. وسد "مأرب" الشهر هو خير تلك السدود شهرة وصيتاً، وقد غذى بإكسير الحياة مساحات واسعة من أرض سبأ. وقد وجد السياح آثار سدود قديمة في نواحي من الحجاز وتجد والعربية الجنوبية تعود إلى ما قبل الإسلام، بنيت في مواضع ممتازة تصلح جيدا لمنع السيول من الذهاب عبثا، حتى إن المهندسين المحدثين رأوا انشاء سدود جديدة في هذه الامكنة للاستفادة من مياه السيول لإحياء ارضين موات في الزمان الحاضر، يمكن قلبها إلى زارع وجنان حضر.
إن ارض اليمن التي صادقتها الطبيعة قأحسنت اليها ووهبتها تحسدها المناطق الاخرى عليها، وهبتها امطارا موسمية ووهبتها جوا حاراً رطبا في تهامة اليمن، معتدلا في المرتفعات، وجوا لطيفا في الجبال، ووهبتها نباتات كثيرة تنايب تنوع هوائها وحيوانات عديدة كثيرة، ومعادن متنوعة، هي % أرض ذات حظ كذلك بعدد سكانها، فإنها حتى اليوم من أكثف مناطق جزيرة العرب وأكثرها سكانا. وسكانها ثروة مهجة ومصنع غذى بلاد العرب والبلاد الإسلامية بموجات من القبائل، نشرت الإسلام والثقافة العربية في البلاد المفتوحة، كما أنه موّن العراق وبلاد الشام في الجاهلية بقبائل، استوطنت هناك، فكوّنت حكومات مثل حكومة الحيرة وحكومة الغساسنة، ونسب المناذرة ونسب الغساسنة يرجع إلى اليمن. ولا تزال اليمن تقذف بالألوف من أبنائها كل عام، تقذف بهم في شتى الأنحاء إلى سواحل إفريقية المقابلة، حتى بلغ بعضهم الولايات المتحدةوإنكلترة، فكونوا فيها جاليات يمانية. ويعيش اليوم زْهاء مليون يماني خارج اليمن، هاجروا من بلادهم لظروف مختلفة لا مجال للبحث فيها في هذا المكان. وقد سبقهم أجدادهم قبل الإسلام، فطفروا حدود جزيرة العرب وذهبوا إلى مصر والى بعض جزر اليونان.
ويعد سكان "الجبل الأخضر" سعداء حقاً بالقياس إلى سكان جزيرة العرب الساكنين في العربية الشرقية أو في البوادي الواقعة في جنوب المملكة العربية السعودية، فإن الغيوم المثقلة بالأبخرة تصطدم بمرتفعات هذا الجبل فتضطر إلى تفريغ شحنتها عليه. وهذا توافرت المياه فيها، فاستغلها السكان وزرعوا عليها. وصارت الأودية من مواطن الحضارة القديمة التي تعود إلى ما قبل الإسلام بزمان طويل، كما صارت سفوح الجبال والمرتفعات موارد رزق للزراع، يستهلكون من الحاصل ما يحتاجون إليه، ويصدرون الباقي لمن يحتاج إليه من أهل بقبة جزيرة العرب. وما زال أهل البلاد يزرعون على سنة آبائهم وأجدادهم الأقدمين. وقد شاهد السياح آثار سدود في هذه المناطق شيدها الأقدمون للتحكم في الأمطار التي تسقط بغزارة وتجري سيولاً.
وفي مثل هشه الأمكنة نجد كتابات دونها أصحابها شكراٌ لآلهتهم على إنعامها عليهم بالغلة الوافرة وبالحصاد الغزير،أو لانعامها عليهم بأرض حصبة ولمساعدتها أباهم على حفر بئر زودتهم بماء للسقي وللزرع، ووجود هذه الكتابات دليل ناطق على وجود الحضارة فيها في تلك الأيام.
أما مواطن الحضارة، فقد وزعتها الطبيعة بيدها، وما برح هذا التوزيع معترفاً به. وزعتها عليها توزيعها للنبات والمعادن والماء. ففي المحلات ذوات الحظ للتي أحبها الماء، فطهر فيها واحاتٍ وعيوناً واحساءً أو رطوبات أو نهيرات أو مطرا موسمياً، ظهر الاستقرار، وتولدت الحضارة على قدر إسعاف الماء ومقدار استعداده لوضع نفسه في خدمة الأهلين وفي خدمة حيواناتهم وزراعتهم لا فرق بين إن يكون الماء في باطن الجزيرة أو في الأودية أو في السواحل، ولو إن لموقعه دخلاّ في ازدياد ثروة أصحابه وفي تمكينهم من الاتصال بالخارج، فتنفتح عندئذ لهم أبواب العالم، كأن يكون الموضع على طريق، أو على مفترق طرق، أو على ساحل أو مرفأ بحري، أو على مقربة من بلد متحضر مثل العراق أو بلاد الشام. أما إذا كان واحة منعزلة ومحلاً نائي اً، فإن الحضارة لا يمكن إن تظهر بالطبع فيه ظهورها في الأماكن المذكورة.
ومن هنا نرى الحضارة والاستقرار والميل إلى الاستقرار في بلاد اليمن وحضرموت أظهر وابرز من أي مكان آخر، نرى فيها حكومات بارز المفهوم من الحكومة قبل الميلاد بأمد طويل، ونرى فيها مدناً عامرة مسوّرة لها حصون وقلاع وتنظيمات وتشكيلات حكومية، ونرى فيها مؤسسات دينية ترعى المسائل الروحية والروابط التي تربط بين البشر وخالقهم، ونرى أنظمة وقوانين مكتوبة وسدوداً وأبنية عالية مرتفعة وفناً ما زالت جذوره ومظاهره خالدة باقية في دم الناس. ثم نرى مثل ذلك أو قريباً منه في أعالي الحجاز وفي الأرضين الداخلة في هذا اليوم في المملكة الأردنية الهاشمية. اما الواحات والعيون والآبار، فقد صارت مستوطنات لتموين المستقر والقادم بالماء والتمر وبشيء من الحبوب والخضر، واذا كانت على طريق صارت مأوى للقوافل، ولهذا لم يكن من الممكن قيام حكومات كبيرة بها، لعدم توفر الشروط اللازمة لإنشاء الحكومات الكبيرة بها، واضطرت إلى توثيق علاقاتها بأهل البادية، وإلى الارتباط بهم بروابط العهود والمواثيق ودفع الإتاوة لمنعهم من التعرض لهم بسوء.
فالحياة في جزيرة العرب، هي هبة الماء، ولهذا انحصرت في هذه الأماكن المذكورة، وصار فرضاً على رجال القوافل وأصحاب التجارات المرور بها، وهو أي الماء، الذي رسم لأصحاب الجمال خطوط سيرهم إلى المواضع التي يربدون السير إليها، وحدد لهم معالم الطرق. وأقام لهم أماكن الراحة، وما زال الأعراب والتجار يسلكون تلك الطرق، للوصول إلى الأماكَن النائبة بالوسائل القديمة التي استعملها سكان الجزيرة قبل الإسلام، وبالمركب القديم، بطوله وبعرضه وهو الجمل. ولكن وسائط النقل الحديثة التي نافسته وأحلته مكرما على التقاعد واضطرته إلى الانسحاب من بعض الطرق، لا تزال تطارده وتنافسه في الطرق الأخرى، وعندئذ لا بد من حدوث مشكلات بالنسبة إلى تربية هذا الحيوان الصحراوي القديم الذي أخلص للبادية، وبقي على إخلاصه لها، ولكن الأمر ليس بيد البادية، وإنما هو بأيدي قاهر البوادي والأرضين والجواء، السيد الإنسان.
أما السواحل، فخلقت من سكانها رجال بحر، يحبوّن ركوب البحر واستخراج ما فيه للتعيش به ولبيعه وتصريفه في الأسواق، كما جعلتهم أصحاب ضيافة، يقدمون الماء وما عندهم من طعام إلى السفن القادمة إليهم، ويعرضون ما عندهم من سلع فائضة لبيعها لهم، ويشترون من أصحاب تك السفن ما عندهم من بضاعة نافعة، فتحولت إلى أسواق للبيع والشراء، المعاملون بها مزيج من القادمين إليها من أنحاء الجزيرة ومن الوافدين الأجانب القادمين إليها من الخارج، وقد اجتذبت هذه الأمكنة إليها الغرباء، فسكنوا بها، واختلطوا بسكانها، وتولدت بها أجيال مختلطة ممتزجة السماء، كلما كانت قريبة من ساحل مقابل، كان مظهر الاختلاط والامتزاج أظهر وأكثر، وهذا احتضنت تهامة والسواحل العربية الجنوبية عدداً كبيرا من الإفريقيين، هاجروا إليها من السواحل الإفريقية المقابلة واستقروا فيها بكثرة، واختلطوا بأصحاب البلاد الأصليين. أما سواحل عمان والخليج، فقد اجتذبت إليها الهنود والفرس، وقد عُثر في مواضع من سواحل عمان على بقايا عظام بشرية اتضح إنها من بقايا الهنود "الدراوديين"، سكان الهند القدماء. ولم بنس البحارة وأصحاب السفن اليونان سواحل جزيرة العرب، فأقاموا مستعمرات يونانية في مواضع متعددة منها سيأتي الكلام عليها فيما بعد.
وقذفت الطبيعة بالأعراب في كل مكان من أمكنة الجزيرة، حتى زاد عددهم على الحضر. والصفة الغالبة علهم، أنهم لا يرتبطون بالأرض ارتباط المزارع بأرضه، ولا يستقرون في مكان ألا إذا وجدوا فيه الكلأ والماء، فإذا جفّ الكلأ وقلّ الماء، ارتحلوا إلى مواضع جديدة. وهكذا حياتهم حياة تنقل وعدم استقرار، لا يحترفون الحرف على شاكلة أهل الحضر، ولذلك صارت حياتهم حياة قاسية، يتمثل مجتمعهم في القبيلة. فالقبيلة هي الحكومة والقومية في نظر البدوي.
وإن حياة على هذا الشكل والطراز، حياة لا تعرف الراحة والاستقرار، ولا تعترف إلا بمنطق القوة، حياة جلبت المشقة لأصحابها،والمشتقة لمن يقيم على مقربة منهم من الحضر. فهم في نزاع دائم فيما بينهم، ثم هم في نزاع مع الحضر، وهذا كان خطر البداوة على العرب، يوازي خطر الغرباء البعداء عليهم، وصارت البداوة مشكلة عويصة لكل حكومة، ولا تزال مشكلة حتى اليوم. ولن تحل إلا باقناع الأعراب بان حياة الاستقرار خير لهم وأفضل من حياتهم التي يحيونها، وذلك بوسائل لا يدخل الكلام عليها في حيز هذا الكتاب.
للطرق للبرية
من نتائج غلبة الطبيعة الصحراوية على أرض جزيرة العرب، إن انحصر امتداد شرايين المواصلات فيها في أماكن خططتها الطبيعة نفسها للإنسان، فجعلتها تسير بمحاذاة الأودية ومواضع المياه والآبار، وهي السبل الوحيدة التي يستطيع المسافر ورجال القوافل إن يستريحوا في مواضع منها ويحملوا منها الماء. وتنتهي رؤوس هذه الطرق بالعراق وببلاد الشام في الشمال وبالعربية الجنوبية وبموانئها في الجنوب، وهناك طرق أخرى امتدت من العربية الشرقية إلى العربية الغربية، ولها مراكز اتصال بالطرق الطولية الممتدة من الشمال إلى الجنوب في الغالب. وقد أقيمت في مواضع من هذه الطرق مواضع سكنى ذات مياه من عيون أو آبار، عاشت ونمت بفضل منة مائها عليها، فصارت منازل مريحة لرجال القوافل يحمدون آلهتهم عليها، ويحمد أصحاب ذلك الماء آلهتهم على منتها عليهم بإعطائهم ذلك الكنز العظيم الذي أعانهم على العيش وجلب لهم كرم التجار.
وفي العقد الحساسة من هذه الطرق نشأت المستوطنات، ومواطن السكنى القديمة انتشرت في أماكن متباعد بعضها عن بعض في الغالب، فكان لهذا التوزيع آثر كبير في الحياة الاجتماعية والحياة السياسية والعسكرية، ولا شك. وما الطرق الحالية التي يسلكها الناس اليوم إلا بقية من بقايا تلك الطرق القديمة التي ربطت أجزاء الجزيرة بعضها ببعض، كما ربطت الجزيرة بالعالم الخارجي. ونجد في مخلفات تلك المستوطنات مواد مستوردة من مواضع بعيدة، هي دليل بالطبع على إن الإنسان كان يقطع الطرق قبل الميلاد بمئات من السنين ليتاجر ويبيع ويشتري دون إن يبالي ببعد المسافة وطول الشقة وصعوبة الحصول على وسائل النقل وما يتعرض له، وهو في طريقه إلى هدفه، من محاطر وأهوال.
وتعد "نجران" من أهم المواضع المهمة الحساسة في شبكة المواصلات البرية قبل الإسلام، ففيها تلتقي طرق المواصلات الممتدة في الجنوب، وفيها يتصل الطريق البري التجاري المهم الممتد إلى بلاد الشام، فيلتقي بطريق العربية الجنوبية ومنها يسير الطريق المار إلى "الدواسر" فالأفلاج فاليمامة أو ساحل الخليج ومنه إلى العراق.
ولم تموّن الطرق البرية المارة بالعربية الشرقية أي "ساحل الخليج" العراق بتجارة جزيرة العرب وبالمواد المستوردة إليها من الهند، بل موّنتها بموجات من البشر منذ آلاف السنين قبل الميلاد. فقد كانت القبائل العربية النازحة من الجنوب لأسباب متعددة تحطّ رحالها على هذا الساحل، انتهازاً لفرصة ملائمة ترحل خلالها إلى العراق لتستقر فيه. وقد سلكت أكثر القبائل العربية التي استوطنت العراق هذا السبيل حينما هاجرت إليه قبل الميلاد وبعده أيضاً.
الفصَلُ السادس
صلات الحرب بالساميين

لاحظ المعنيون بلغات "الشرق الأدنى" وجود اوجه شبه ظاهرة بين البابلية والكنعانية والعبرانية والفينيقية والأرمية والعربية واللهجات العربية الجنوبية والحبشية والنبطية وامثالها، فهي تشترك أو تتقارب في أمور أصلية وأساسية من جوهر اللغة، وذلك في مثل جذور الأفعال، وأصول التصريف، تصريف الأفعال، وفي زمني الفعل الرئيسيين، وهما: التام والناقص، أو الماضي والمستقبل، وفي أصول المفردات والضمائر والأسماء الدالة على القرابة الدموية والأعداد، وبعض أسماء أعضاء الجسم الرئيسية، وفي تغير الحركات في وسط الكلمات الذي يحدث تغيراً في المعنى، وفي التعابير التي تدل على منظمات للدولة، والمجتمع والدين، وفي أمور مشابهة أخرى، فقالوا بوجوب وجود وحدة مشتركة كانت تجمع شمل هذه الشعوب، وأطلقوا على ذلك الأصل، أو الوحدة "الرس السامي" أو "الجنس السامي"، أو "الأصل السامي"، أو "السامية، "Aemites" "Ahemites" "Semitic Race" وعلى اللغات التي تكلمت وتتكلم بها هذه الشعوب "اللغات السامية"، "Semitic Languaues".
وقد أخذ من أطلق هذه التسمية، تسميته هذه من التوراة. أخذها من اسم "سام بن نوح"، جدّ هذه الشعوب الأكبر، كما هو وارد فيها. وأول من أطلقها وأذاعها بين العلماء علماً على هذه الشعوب، عالم نمساوي اسمه "أوغست لودويك شلوتسر" August Ludeig Schlostzer أطلقها عام "1781 م" فشاعت منذ ذلك الحين، وأصبحت عند العلماء والباحثين في موضوع لغات الشرق الأدنى علماً للمجموعة المذكورة من الشعوب وقد أخذ "آيشهورن" "Joh. Cotte. Eichhorn" هذه التسمية، وسعى لتعميمها بين العلماء علماً على الشعوب المذكورة.
وفي عام "1869 م" قسم العلماء اللغات السامية إلى مجموعتين: المجموعة السامية الشمالية، والمجموعة السامية الجنوبية وتتألف المجموعة الشمالية من العبرانية والفينيقية والأرمية والآشورية والبابلية والكنعانية. و أما المجموعة الجنوبية، فتتألف من العربية بلهجاتها والحبشية. وعمم استعمال هذا الاصطلاح بينهم وأصبح موضوع "الساميات" من الدراسات الخاصة عند المستشرقين، تقوم على مقارنات وفحوص "أنتولوجية" و "بيولوجية" وفحوص علمية أخرى، فضلا عن الدراسات التاريخية واللغوية والدينية.
وهذه القرابة الواردة في التوراة، وذلك التقسيم المذكور فيها للبشر، لا يستندان إلى أسس علمية أو عنصرية صحيحة، بل بنُيت تلك القرابة، ووضع ذلك التقسيم على اعتبارات سياسية عاطفية وعلى الآراء التي كانت شائعة عند شعوب العالم في ذلك الزمان عن النسب والأنساب وتوزع البشر. فحشرت التوراة في السامية شعوباً لا يمكن عدها من الشعوب السامية، مثل "العيلاميين" "Elam" و "اللودبين" "Ludim" "Lud"، وأقصت منها جماعة من الواجب عدّها من الساميين، مثل "الفينيقيين" و "الكنعانين".
ويرى "بروكلمن" إن العبرانيين كانوا قد تعمدوا إقصاء الكنعانيين من جدول أنساب سام، لأسباب سياسية ودينية، مع أنهم كانوا يعلمون حق العلم ما بينهم وبين الكنعانيين من صلات عنصرية ولغوية.
وقد رَجَع الإصحاح العاشر من التكوين نسب الفينيقين و السبئين إلى حام جد الكوشيين، ذوي البشرة السوداء، مع أنهم لم يكونوا من الحاميين، وقد يكون ذلك بسبب وجود جاليات فينيقية وسبئية في افريقية، فعدّ كتبة التوراة هؤلاء من الحاميين.
وقد عرف المسلمون اسم "سام بن نوح"، وقد كان لا بد لهم من البحث عن أولاد "نوح" لما لذلك من علاقة بما جاء عن "نوح" وعن الطوفان في القرآن الكريم. و قد روي أن رسول الله قال: "سام أبو العرب، و يأفث أبو الروم، و حام أبو الحبش"، وقد روى "الطبري" جملة أحاديث عنه في هذا المعنى. و قد لاحظت كلها وردت من طريق "سعيد بن أبي عروبة" عن "قتادة" عن "الحسن" عن "سمرة بن جندب"، و هي في الواقع حديث واحد، و لا يختلف إلا اختلافا يسيرا في ترتيب الأسماء أو في لفظ أو لفظين. ومن هنا يجب إن يدرس هذا الحديث و كل الأحاديث المنسوبة إلى الرسول في هذا الباب دراسة وافية،لنرى مدى صحة نسبتها إلى الرسول، كما يجب دراسة ما نسب إلى عبد الله بن عباس أو غيره في هذا الشأن، فإن مثل هذه الدراسات تحيطنا علما برأي المسلمين أيام الرسول و بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى في نسبتهم إلى سام بن نوح.
وقد قسم بعض علماء الساميات المحدثين اللغات السامية إلى أربع مجموعات هي: المجموعة السامية الشرقية ومنها البابلية والآشورية،والمجموعة الشمالية ومنها الأمورية والأرمية، والمجموعة الغربية ومنها الكنعانية والعبرانية والموابية والفينيقية، والمجموعة الجنوبية ومنها المعينية والسبئية والاثيوبية والعربية والأمهرية. ويلاحظ إن واضعي هذا التقسيم لم يراعوا في وضعه التطورات التاريخية التي مرت بها هذه اللغات بل وضحوا تقسيمهم هذا على أسس المواقع الجغرافية لتلك الشعوب.
والسامية بعد، ليست رساً "Race" بالمعنى المفهوم من الرس عند علماء الأحياء، أي جنس له خصائص جسمية وملامح خاصة يميزه عن الأجناس البشرية الأخرى. فبين السامين تمايز وتباين في الملامح وفي العلامات الفارقة يجعل اطلاق "الرس" عليهم بالمعنى العلمي الحديث المفهوم من "علم الأجناس"، أو الفروع للعلمية الأخرى نوعاً من الإسراف واللغو، كما أننا نرى تبايناً في داخل الشعب للواحد من هذه الشعوب السامية في الملامح والمظاهر الجسمية، وفي هذا التمايز والتباين دلالة على وجود اختلاط وامتزاج في الدماء، سأتحدث عنه في الفصل الخاص بالأنساب وبانقسام العرب إلى قحطانيين وعدنانيين.
ولقد وجد بعض علماء "الانثروبولوجي" مثلاَ إن بين اليهود تبايناً في الصفات وفي الخصائص التي وضعها هذا العلم للجنس، مع ما عرف عن اليهود من التقيد بالزواج وبالابتعاد عن الزواج من غير اليهود. وكذلك وجد العلماء الذين درسوا العرب دراسة "انثروبولوجية" إن بين العرب تبايناً في الملامح الجسمية. وقد اتضح. وجود هذا التباين عند الجاهليين أيضاً، كما دلت على ذلك الفحوص التي أجريت على بقايا العظام التي عثر عليها في مقابر جاهلية. كذلك وجد علماء "الأنثروبولوجي" من فحص العظام التي عثر عليها في الآثار الآشورية والبابلية إن أصحابها يختلفون أيضاً فيما بينهم في الملامح التي تعد أساساً في تكوين جنس من الأجناس.
ولهذا، فإني حين أتحدث عن السامية لا أتحدث عنها على أنها جنس، أي رسّ صاف بالمعنى "الأنثروبولوجي"، بل أتحدث عنها على أنها مجموعة ثقافية وعلى أنها مصطلح أطلقه العلماء على هذه المجموعة لتمييزها عن بقية الأجناس البشرية، فأنا أجاريهم لذلك في هذه التسمية، ليس غير.
إن بحوث العلماء في موضوع السلالات البشرية وفي الأجناس البشرية وفي توزع الشعوب وخصائص ومميزات الأجناس لا تزال بحوثاً قلقة غير مستقرة. ولهذا تجد نتائج بحوثهم في تعريف الجنس وفي صفات الأجناس وفي المسائل الأخرى المتعلقة بهذا الموضوع مختلفة، ولا سيما إن هنالك عدة أمور تؤثر في حياة الإنسان وفي خصائصه الروحية والجسمية. وللنواحي اللغوية وبعض الخصائص الروحية الأخرى، وان كانت مهمة وضرورية لدراسة الناحية العقلية للإنسان، إلا إنها ليست الأسس للوحيدة لتكوين رأي في الأجناس البشرية.
فالسامية إذن، بهذا المعنى هي مجرد اصطلاح، قصد به للتعبير عن هذه للروابط أو الظواهر التي نراها بين الشعوب المذكورة،أما البحث على إن الساميين جنس من الأجناس بالتعبير الذي بعنيه أهل العلوم من لفظة جنس، فإن ذلك في نظري موضوع لا يسع علماء للساميات أو علماء التاريخ إن يبتوا فيه ويصدروا حكماً في شأنه، لأنه بحث يجب إن يستند إلى تجارب وبحوث مختبرية، والى دراسات للشعوب الباقية من السامية، بان ندرس جماجم قدماء للساميين وعظامهم في جزيرة العرب وفي المواطن الأخرى التي انتشر فيها للساميون، وعند اكمال مثل هذه الدراسات ووصولها إلى درجات كافية ناضجة يمكن للعلماء حينئذ إن يتحدثوا عن السامية من حيث إنها جنس بالمعنى العلمي، أو جنس بالمعنى الاصطلاحي.
هذا وقد عني بعض الباحثين المحدثين بدراسة ما عثر عليه في بعض القبور العادية من عظام، لتعيين أوصافها وخصائصها والجنس الذي تعود لليه، كما قام بعضهم بدراسة أجسام الأحياء وإجراء فحوص عليها وتسجيل قياسات الرؤوس وملامح الأجسام وما إلى ذلك مما يتعلق بموضوع "الأجناس البشرية"، وإذا ما استمر العلماء على هذه الدراسة وتوسعوا فيها، فسيكون لها شاًن خطير في وضع نظريات علمية عن تاريخ أجناس الشرق الأدنى وفي جملتهم الساميين.
وممن بحث في "أنثروبولوجية" الشرق الأدنى "كبرس Ariens Kapperes"، وقد وضع مؤلفا قيَماً في دراسة شعوب الشرق الأدنى. و "الدكتور سلكمن" "Dr. Seligman"، و "شنكلن W. Shanklin" الذي عني بدراسة "أنثروبولوجية" سكان شرقي الأردن وتقسيماتهم وحالات أعصابهم، و "A. Mochi"، و "برترام توماس" الذي قام بدراسات علمية عديدة من هذه الناحية لنماذج من أفراد القبائل العربية الجنوبية، والبعثة الأمريكية التي أرسلها متحف "فيلد" بشيكاغو لدراسة "أنثروبولوجية" القبائل العراقية النازلة على مقربة من "كيش"، عدا دراسات أخرى عديدة قام بها علماء آخرون.
وقد أجريت أكثر هذه البحوث في مناطق عرفت باتصالها منذ القديم بالعالم الخارجي، وفي أرضين استضافت الغرباء، فهي لذلك لا يمكن إن تعطينا فكرة علمية عن "أنثروبولوجية" ساحل جزيرة العرب، فلا بد من القيام بدراسات دقيقة في قلب الجزيرة لتكوين رأي علمي عن عرب هذه الأماكن.
وقد لاحظ الفاحصون للعظام التي عثر عليها في الأقسام الجنوبية الشرقية من جزيرة العرب وجود تشابه كبير بين جماجم أهل عمان وجماجم سكان السواحل الهندية المقابلة هذه البقاع، كما لاحظوا تشابهاً كبيراً في الملامح الجسمية بين العرب الجنوبيين أهل عدن وبقبة العربية الجنوبية الغربية وتهامة وسكان إفريقية الشرقية.
وقد اتخذ القائلون إن أصل العرب الجنوبيين من إفريقية هذا التشابه حجة، تذرعوا بها في إثبات نظرياتهم هذه.
غير إن هذه الفحوص أشارت من جهة أخرى إلى حقيقة تخالف النظرية الإفريقية، إذ بينت إن أشكال جماجم العرب الجنوبيين ورؤوسهم هي من النوع الذي يقال له: "Brachycephaly". أما أشكال جماجم سكان إفريقية الشرقية ورؤوسهم، فمن النوع الذي يعرف باسم "Dolichocephaly" في الغالب. وهذا التباين لا يشير إلى وحدة الأصل. وقد تبين من هذه الفحوص إن أشكال جماجم العرب الشماليين ورؤوسهم، هي من نوع "Dolichocephaly" كذلك، أي أنها نوع مشابه لأشكال جماجم الإفريقيين الشرقيين ورؤوسهم.
وقد حملت هذه النتائج بعض الباحثين على التفتي في إن العرب الجنوبيين كانوا في الأصل في المواطن التي تكثر فيها الرؤوس المستديرة، وأن هذه المواطن هي من آسية الصغرى إلى الأفغان، فزعموا أنهم كانوا هناك ثم هاجروا منها إلى مواطنهم الجديدة في العربية الجنوبية، كما زعموا إن سكان "عمان" قد تاثروا تأثرا كبيراً بالدماء "الدراويدينية" "Dravidian" الهندية، لهذا تجد أنهم يختلفون بعض الاختلاف عن بقية العرب الجنوبيين.
وإذا قامت بعثات علمية بالبحوث "الأنثروبولوجية في مواضع أخرى من جزيرة العرب ولا سيما في باطن الجزيرة، و إذا ما استمر العلماء والسياح في البحث عن العظام والأحداث، وفي دراستها دراسة مختبرية، واستمروا في إجراء فحوصهم على الأحياء، وقورنت نتائج فحوصها بنتائج فحوص العلماء في بقية أنحاء الشرق الأدنى، فإن البحث في الساميات وفي علاقات الشعوب القديمة بعضها ببعض، سيتقدم كثيراً،وسيأتي ولا شك بنتائج علمية مقبولة في موضوع السامية والجنس السامي.
وطن الساميين
وتساءل العلماء الباحثون في الأجناس البشرية: من أين جاء الساميون الأول، آباء الشعوب السامية? وأين كان موطنهم الأول وبيتهم القديم، الذي ضاق بهم في الدهر الأول، فغادروه إلى بيوت أخرى? أما أجوبتهم، فجاءت متباينة غير متفقة لعدم اهتدائهم حتى الآن إلى دليل مادي يشير إلى ذلك الوطن، أو يؤيد نظرية وجود مثل هذا الوطن، فقامت آراؤهم على نظريات وفرضيات، وبحوث لغوية وعلى آراء مستمدة من الروايات الواردة في التوراة عن أصل البشر، وعن أبناء نوح، والأماكن التي حلّ بها هؤلاء الأبناء وأحفادهم ثم أحفاد أحفادهم، وهكذا على نحو ما تصورته مخيلة العبرانيين. فرأى نفر منهم إن أرض بابل، كانت المهد الأول للساميين، ورأى آخرون إن جزيرة العرب هي المهد الأول لأبناء سام، وخصص فريق آخر موطناً معيناً من جزيرة العرب، ليكون وطن سام وأبنائه الأول، وذهب قسم إلى إفريقية فاختارها لتكون ذلك للوطن، لما لاحظه من وجود صلة بين اللغات السامية والحامية، ورأى قوم في أرض "الأموريين" الوطن الصالح لآن يكون أرض أبي الساميين، على حين ذهب قوم آخرون إلى تفضيل أرض "أرمينية" على تلك الأوطان المذكورة. وهكذا انقسموا وتشعبوا في موضوع اختيار الوطن السامي، ولكل حجج وبراهين.
وحتى القائلون بنظرية من هذه النظريات في برأي من هذه الآراء، هم قلقون غير مستقرين في نظرياتهم هذه، فتراهم يغُيرون فيها ويبدلون. يفترضون وطنا أصلياً لجد الساميين، ثم يفترضون وطناً ثانياً يزعمون إن قدماء الساميين كانوا قد تحولوا من الوطن الأول إليه، فصار الموطن الأقدم لهم. فقد ذهب "فون كريمر" مثلاً، وهو عالم ألماني إلى إن إقليم "بابل" هو موطن الساميين الأول، وذلك لوجود ألفاظ عديدة لمسميات زراعية وحيوية "حياتية" أخرى تشترك فيها أكثر اللغات السامية المعروفة، وهي مسميات لأمور هي من صميم حياة هذا الإقليم، إلا أنه عاد فذكر أنه وجد إن لفظة "الجمل" لهذا الحيوان المعروف هي لفظة واردة في جميع اللغات السامية وفي ورود هذه التسمية في جميع هذه اللغات دالة على أنها من بقايا اللغة "السامية" الأولى. ولكن الجمل حيوان أصله و موطنه الأول الهضبة المركزية التي في آسية على مقربة مننهر سيحون ونهر جيحون، ولما كان قد لازم الساميين من فجر تاريخهم واقترن اسمه بأسمهم، وجب إن يكون موطن الساميين الأقدم اذن هو تلك الهضبة، إلا إن أجداد الساميين غادروها في الدهر الأول، وارتحلوا عنها فانحازوا إلى الغرب مجتازين إيران والأرضين المأهولة بالشعوب "الهند أوروبية" حتى وصلوا إلى إقليم "بابل"، فنزلوا فيه، فصار هذا الإقليم الوطن الأقدم أو الأول للساميين.
وطريقة "فون كريمر" في هذه النظرية، دراسة أسماء النبات والحيوان في اللغات السامية وتصنيفها وتبويبها الممكن بذلك من معرفة المسميات المشتركة والمسميات التي ترد بكثرة في اغلب تلك اللغات والتوصل بهذه الطريقة إلى الوقوف على أقدم الحيوان والنبات عند تلك الشعوب، فإذا اهتدينا إليها صار من السهل على رأيه التوصل إلى معرفة الوطن الأصل الذي جمع في يوم ما شمل أجداد الساميين.
أمما "كويدي"، وهو من القائلين أيضا إن إقليم بابل هو الموطن الأول للسامين، فقد سار على نفس أسلوب "فون كريمر" نفسه وطريقته، ولكن بصورة مستقلة عنه. درس الكلمات المألوفة في جميع اللغات السامية عن العمران والحيوان والنبات ونواحي الحياة الأخرى، وقارن بينها وتتبع أصولها قال قوله المذكور، إلا انه اختلف عن "فون كريمر" في الوطن الأول، حيث رأى إن مواطن الساميين الأول كانت الأرضين في جنوب بحر قزوين وفي جنوب شرقيه إلا انهم غادروها بعد ذلك وارتحلوا عنها إلى إقليم بابل.
وأما "هومل"، وهو من العلماء الألمان الحاذقين في الدراسات اللغوية، فقد ذهب أولاً إلى إن موطن الساميين هو شمال العراق، ثم عاد فقرر إن إقليم بابل هو الوطن الأصل،وذهب أيضاً إلى إن قدماء المصريين هم فرع من فروع الشجرة التي أثمرت الثمرة السامية، وهم الذين نقلوا على رأيه الحضارة إلى مصر نقلوها من البابليين.
وقد ناقش "نولدكه" آراء هؤلاء العلماء المذكورين القائمة على المقابلات والموازنات اللغوية، وعارضها معارضة شديدة، مبيناً إن من الخطأ الاعتماد في وضع نظريات مهمة كهذه على مجرد دراسة كلمات و إجراء موازنات بين ألفاظ لم يثبت ثبوتاً قطعياً إن جميع الساميين أخذوها من العراق، وأورد جملة أمثلة اختلف فيها الساميون، مع انها أجدر المعاني بأن يكون لها لفظ مشترك في جميع اللغات السامية.
ومن أوجه النقد التي وجهت إلى نظرية القائلين إن العراق، أو إقليم بابل منه بصورة خاصة، هو موطن الساميين، هو إن القول بذلك يستدعي تصور انتقال للساميين من أرض زراعية خصبة ذات مياه إلى بواد قفرة جرد، و إبدال حياة زراعية بحياة خشنة بدوية، ومثل هذا التصور يخالف المنطق والمعقول والنطم الاجتماعية.
و أما القائلون إن الموطن الأصلي لجميع الساميين هو جزيرة العرب، فكان من أولهم "شبرنكر". فقد رأى إن أواسط جزيرة للعرب، ولا سيما نجد، هو المكان للذي بجب إن يكون الوطن الأول للساميين،وذلك لأسباب وعوامل شرحها وذكرها. ومن هذا الوطن خرج الساميون في رأيه إلى الهلال الخصيب فطبعوه بالطابع السامي، ومن هذا الهلال انتشروا إلى أماكن أخرى.
وقد أيد هذه النظرية جماعة من المستشرقين الباحثين في هذا الموضوع من أمثال "سايس" و "أبرهرد شرادر"، و "دي كويه" و "هوبرت كرمه" و "كارل بروكلمن" و "كينغ" و "جول ماير" و "كوك" ،وآخرين.
وقد مال إلى تأييدها وترجيحها "دتف نلسن"، وهو من الباحثين في التاريخ العربي قبل الإسلام. وكذلك "هوكو ونكلر". و "هومل" الذي يرى إن موطن جميع الساميين الغربيين هو جزيرة العرب.
وقد ذهب نفر من القائلين بهذه النظرية إلى إن العروض ولا سيما البحرين والسواحل المقابلة لها، هي الوطن السامي القديم. ويستشهد هذا النفر على صحة نظريته ببعض الروايات والدراسات التي قام بها العلماء فكشفت عن هجرة بعض الأقوام كالفينيقين و غيرهم من هذه الأماكن.
أما "فلبي"، فذهب في دراساته المسهبة لأحوال جزيرة العرب إلى إن الأقسام الجنوبية من جزيرة العرب هي الموطن الأصلي للساميين. وفي هذه الأرضين نبتت السامية، ومنها هاجرت بعد اضطرارها إلى ترك مواطنها القديمة لحلول الجفاف بها التي ظهرت بوادره منذ عصر "البالئوليتيك" "Palaeolithic" هاجرت في رأيه، في موجات متعاقبة سلكت الطرق البرية والبحرية حتى وصلت إلى المناطق التي استقرت فيها. هاجرت وقد حملت معها كل ما نملكه من أشياء ثمينة، حملت معها آلهتها، وأولها الإله "القمر"، وحملت معها ثقافتها وخطها الذي اشتقت منه سائر الأقلام، ومنه القلم الفينيقي، وطبعت تلك الأرضين الواسعة التي حلت فيها بهذا الطابع السامي الشي ما زال باقياً حتى اليوم. وقد أخذ "فلبي" رأيه هذا من دراسات العلماء لأحوال جزيرة العرب ومن الحوادث التاريخية التي تشير إلى هجرة القبائل من اليمن نحو الشمال.
فاليمن في رأي "فلبي" وجماعة آخرين من المستشرقين، هي "مهد العرب" ومهد الساميين، منها انطلقت الموجات البشرية إلى سائر الأنحاء. وهي في نظر بعض المستشرقين أيضاً "مصنع العرب"، وذلك لأن بقعتها أمدّت الجزيرة بعد كبير من القبائل، قبل الإسلام بأمد طويل وفي الإسلام. ومن اليمن كان "نمرود" وكذلك جميع الساميين.
والذين يقولون إن نجداً هي موطن الساميين الأول، يفرضون إن موجات هجرة الساميين اتجهت نحو الشمال كما اتجهت نحو الجنوب والشرق والغرب، فكأن نجدا معين ماء يفيض فيسيل ماؤه إلى أطرافه.
غير إن هنالك جماعة من الباحثين ترى إن نجداً لا يمكن إن تكون الموطن الأول للسامين، وذلك لأن شروط الحياة اللازمة لم تكن تتوفر بها، اللهم إلا في المواضع التي توجد بها أبار أو واحات، وهي قليلة متناثرة، وذلك حتى في العصور "الباليوثية" "Palaeolithic" 0 أما المراعي التي كانت بها في تلك الأوقات فلم تكن دائمة الخضرة، بل كانت مع المواسم ولهذا فان السكن فيها لا يمكن إن يكون سكناً دائمياً مستمراً، ثم إن السكن في نجد يقتضي وجود الجمل فيها ولم يكن الجمل موجوداً عند الساميين في العهود القديمة بل كان الحمار هو واسطة الركوب والنقل عندهم. ولما كان الحمار لا يتحمل العيش في البوادي الواسعة الفسيحة، لذلك لم يتمكن الساميون إذ ذاك من التوغل في الصحراء والسكن بعيداً عن مواضع الماء، فانحصر سكنهم في أسياف البوادي أي في مناطق قريبة من الحضر، ولهذا السبب رفض العلماء رأي من يقول إن نجداً هي الموطن الأول للساميين.
ويمكن تلخيص الحجج والبينات التي استند إليها هؤلاء العلماء لإثبات نظريتهم في الأمور الآتية: 1 - لا يعقل إن ينتقل سكان الجبال والمزارعون من حياة الحضارة والاستقرار إلى البداوة، بل يحدث العكس. ولما كانت الشعوب السامية قد قضت في أطوارها الأولى حياة بدوية، فلا بد إن يكون وطنها الأول وطناً صحراوياً، وجزيرة العرب تصلح إن تكون ذلك الوطن أكثر من أي مكان آخر.
2 - ثبت إن معظم المدن والقرى التي تكونت في العراق أو الشام إنما كونتها عناصر بدوية استقرت فيَ مواضعها، واشتغلت بإصلاح أراضيها و عمرانها، واشتغلت بالتجارة، فنشأت من ذلك تلك المدن والقرى. ولما كانت أكر هذه العناصر البدوية قد جاءت من جزيرة العرب، فتكون الجزيرة قياسا على ذلك الموطن الذي غذّى العراق وبادية الشام وبلاد الشام بالساميين، وأرسل عليها موجات متوالية منها.
3 - هناك أدلة دينية ولغوية، وتاريخية وجغرافية، تشير بوضوح إلى إن جزيرة العرب هي مهد السامية ووطن الساميين.
4 - إننا نرى إن جزيرة العرب قد أمدّ ت العراق وبلاد الشام بالسكان، وأن القبائل الضاربة في الهلال الخصيب قد جاءت من جزيرة العرب، فليس يستبعد إذن إن يكون الساميون قد هاجروا منها إلى الهلال الخصيب.
وقد عارض هذه النظرية طائفة من علماء الساميات، وحجتهم: إن كل ما قيل وذكر من حجج وبينات، لا يدل يقيناً على إن جزيرة العرب كانت هي المهد الأصلي للأمم السامية، ونظرت إلى إفريقية على إنها المكان المناسب لأن يكون الوطن الأول للساميين. ومن هذه الطائفة من علماء الساميات "بلكريف"، وقد كون رأيه من وجود تشابه في الملامح، وفي الخصائص الجنسية، وصلات وقد كون رأيه من وجود تشابه في الملامح، وفي الخصائص الجنسية، وصلات لغوية يين الأحباش والبربر والعرب دفعته إلى القول بأن الوطن الأول للساميين هو إفريقية.
وذهب إلى هذا الرأي "جيرلند Gerland"، مستنداً إلى الدراسات "الفيزيولوجية" مثل تكوين الجماجم، والبحوث اللغوية. وقد زعم ان شمال إفريقية هو الموطن الأصلي للساميين، وادعى ان الساميين والحاميين من سلالة واحدة ودوحة تفرعت منها جملة فروع، منها هذا الفرع السامي الذي اختار الشرق الأدنى موطناً له.
وهناك نفر من العلماء أيدوا هذه النظرية ودافعوا عنها أو استحسنوها، مثل "برتن Brtin" و "نولدكه" و "موريس جسترو" و "كين" و "ربلي" وغيرهم. ولكنهم اختلفوا أيضا في تعيين المكان الذي نبت فيه الساميون أول مرة في القارة الإفريقية، واختلفوا كذلك في الطريق الذي أوصل السامين إلى جزيرة العرب ، فاختار "برنتن" Brintonشمال غربي إفريقية، ولا سيما منطقة جبال "الأطلس" فجعلها الموطن الأصلي للساميين.
واختار نفر آخر إفريقية الشرقية موطناً أول للساميين، للعلاقات "الأثنولوجية" الظاهرة التي تلاحظ على سكان هذه المنطقة والساميين. وزعم أن الساميين سلكوا في عبورهم إلى آسية أحد طريقين: إما طريق سيناء حيث هبطوا في العربية الحجرية وأناخوا فيها مدة ثم انتشروا منها، وإما طريق المندب حيث دخلوا العربية السعيدة من مواضع مختلفة من الحبشة ومن أرض "فنط Punt". وهي الصومال الحديثة. وقد أكسبتهم أقامتهم في بلاد العرب خصائص جديدة، ووسمتهم بسمات اقتضتها طبيعة الوطن الثاني، ولكنها لم تتمكن من القضاء على الخصائص الأولى التي تشير إلى الوطن الأول قضاء تاماً، ولا على الصلة بين اللغات الحامية والسامية التي تسير إلى الأصل المشترك كذلك.
وهذه النظرية، بالرغم من دفاع بعض كبار علماء اللغات والأجناس عنها لا تخلو من ضعف، ومن مواطن ضعفها أنها غضت الطرف عن الاعتبارات التاريخية،واستسلمت لدراسات لم تنضج بعد، فمن الممكن مثلاً إرجاع ما لاحظه علماء اللغات السامية واللغة المصرية القديمة إلى عوامل الهجرات السامية من جزيرة للعرب وعن طريق سيناء إلى إفريقية، مثل هجرة "الهكسوس" وهم من أصل سامي جاؤوا مصر من بلاد العرب. وقد ثبت أيضا من تحقيقات العلماء أن كثيراً من الأسماء المصرية القديمة التي كانت تطلق على الأقسام الشرقية من الديار المصرية هي أسماء سامية. وإذا سوغّ علماء النظرية الإفريقية لأنفسهم الاستدلال على إفريقية الساميين من وجود القرابة اللغوية بين اللغة المصرية واللغات السامية مثلاً، فإن من الممكن إرجاع هذه القرابة إلى أثر الهجرات السامية في اللغة المصرية.
وأما تقارب الحبشية من اللهجات العربية الجنوبية وكتابة الأحباش حتى اليوم بقلم شبيه بالمسند، فلا يكون دليلاَ قاطعاً على هجرة السامين من إفريقية عن طريق الحبشة إلى جزيرة العرب، إذ يجوز العكس، وقديمة هاجر الساميون من العربية الجنوبية إلى الحبشة. والساميون هم الذين كوّنوا دولة "أكسوم" التي كانت تتكلم باللغة "الجعزية"، وهي لغة سامية، كما أن قلمها الذي يشبه قلم المسند هو وليد القلم العربي الجنوبي. وكتابات "يها" "محا" المكتوبة بالمسند، في حد ذاتها دليل على أثر العرب الجنوبيين في الإفريقيين "الكوشيين"، وهذه الكتابات حديثة عهد بالنسبة إلى كتابات السبئيين، كما يمتهن اعتبار تشابه أسماء بعض الأماكن القديمة في الحبشة مع نظائر لم في اليمن ووجود معبد في الحبشة خص بالإله "المقة" إله سبا العظيم، وأمور أخرى دينية ولغوية وأثرية، واعتراف الأحباش بأنهم من نسل ملكة سبأ "بلقيس" "ماقدة" من "سليمان الحكيم"، وأن "حبشت" التي لم أخذ الأحباش منها اسمهم في اللغة العربية هي مقاطعة تقع في العربية الجنوبية في رأي أكثر العلماء، وأن "الأجاعز" أصحاب اللغة الجعزية هم اقدم ممن هاجر من اليمن إلى الحبشة، ووجود صلات قديمة ببن الساحلين الإفريقي والعربي، إذا نظرنا إلى كل هذه الأمور نظرة علمية. دقيقة، تجد أنها تجعل أمام القائلين إن أصل الساميين من إفريقية صعوبات ليس من السهل التغلب عليها، ولا سيما إذا أضفنا اليها الأثر الذي تركته اليهودية والنصرانية في الأحباش وفي الشعوب الكوشية الأخرى، فقرب ثقافتها من الثقافة السامية وأثر في لغتها، وهو أثر يجب أن يقام له وزن عند بحث هذا الموضوع.
ثم ان كثيراً من علماء "الأنثروبولوجي" يرون أن إفريقية تأثرت بالسماء الأسيوية. أما تأثيرها في دماء أهل الشرق الأدنى وفي سماء سكان جزيرة العرب، فقد كان قليلاّ لقد دخلت اليها دماء شعوب الشرق الأدنى من البحر المتوسط ومن طور سيناء ومن مضيق باب المندب. ويظهر أثر هذا الاختلاط واضحاً في إفريقية الشرقية وإفريقية الشمالية، وما زال هذا التأثر واضحاً حتى اليوم. ولهذا فإن من الصعب تصور هجرة السامين من أفريقية إلى جزيرة العرب وبلاد الشام والعراق على وفق نظرية هؤلاء العلماء.
ومن القائلين إن المهد الأصلي للساميين هو أرض إرمينية "جون بيترس"، وحجته في ذلك أن هذا المحل هو أنسب مكان يتفق مع رواية التوراة في الطوفان، وهو المحل الأصلي للأمم السامية والآرية. ثم إن الأنف الحثي يشبه كل الشبه الأنف العبراني، وفي هذه التسمية دلالة على المكان، وقد نسي أن العرب وهم من الساميين لم يرزقوا هذا الأنف.
وقد ذهب "أنكناد" "Ungnad" إلى أن أصل الساميين من أوروبة، وقد تركوها وهاجروا منها إلى آسية الصغرى، ثم هاجروا منها إلى أرض "أمورو" "Amurru"، وذهب قسم منهم في الألف الرابعة قبل الميلاد إلى بابل وبقية أنحاء العراق.
وذهب "كلي" إلى ان الوطن الأصلي للسامين هو أرض "أمورو" "Amurru" "الأمريين" وتشمل هذه الأرض، في رأيه، بلاد الشام ومنطقة الفرات. من هذه المنطقة هاجر الساميون، وهو قد توصل إلى نظريته هذه من الدراسات اللغوية، ولكنها لا تستند في الواقع إلى أدلة قوية. والأموريون من الشعوب السامية القديمة التي سكنت في فلسطين والشام وإقليم بابل.
وذهب آخرون إلى أن الوطن الأول الأصل للساميين هو أرض "قفقاسية"، إذ كان البشر من ثلاثة أجناس أساسية، هي: الجنس القفقاسي "Caucassids" والجنس المنغولي "Mongoloids" "الآسيويين"، والجنس الزنجي "Negroids". وقد قصدوا بالجنس القفقاسي أصحاب البشرتين البيضاء والسمراء، أي الآريين والساميين. فوطن هذين الجنسين الأول هو "قفقاسية" على هذا الرأي. منه انتقل الساميون إلى أوطانهم الجديدة، بهجرتهم إلى الجنوب واستقرارهم فيما يقال له "الهلال الخصيب"، ثم فيما وراءه إلى السواحل الجنوبية لجزيرة العرب، ومنه انتقل الآريون إلى الجنوب الشرقي لقفقاسية وإلى الغرب والشمال، أي إلى آسية وأوروبة ثم إلى أماكن أخرى فيما بعد.
وهجرات على هذا النحو، لا بد أن تكون لها أسباب ومسببات، اذ لا يعقل ترك إنسان لوطنه من غير سبب. وقد بحث القائلون بهذا الرأي عن الأسباب التي أدت إلى وقوع تلك الهجرات، فوضعوا لهم جملة فرضيات.
ظهر الساميون على مسرح الوجود في الألف الثالثة قبل الميلاد، واستقروا في هذه الأرضين التي اصطبغت بالصبغة السامية، وهي الهلال الخصيب وشبه جزيرة سيناء وجزيرة العرب، حيث تعد اليوم المواطن الرئيسية للساميين.
وقد توسط بعض الباحثين بين الآراء المتباينة، عن الوطن الأول للجنس السامي، فذهب إلى أن الهلال الخصيب وأطراف جزيرة العرب هي الموطن الأول للساميين والميدان الذي وجسوا فيه منذ أقسم أيامهم، وقد كان هذا الميدان موضع صراع بين البداوة والحضارة، فقد كان البدو يهاجمون الحضر سكان القرى والمدن، والبدو هم من الساميين، وكثير من الحضر كانوا من الساميين أيضا، ومن هذا التنازع على الحياة تكوّن تاريخ الساميين في هذه المنطقة الواسعة من الهلال الخصيب التي تهدها من الشرق والشمال والغرب الجبال والتي تمتد فتشمل كل جزيرة العرب.
الهجرات السامية
تقول كل النظريات التي رأيناها عن أصل الوطن السامي، بهجرات الساميين من ذلك الوطن الأم إلى أوطان أخرى في أزمان مختلفة متباينة، وذلك لأسباب عديدة منها: ضيق أرض الوطن من تحمل عدد كبير من الناس، وتزاحم الناس كل الرزق، مما دعاهم إلى التحاسد والتباغض والتفتيش عن وطن جديد، وظهور تغيرات في طبيعة ذلك الإقليم، إلى عوامل أخرى.
وقد تصور القائلون ان جزيرة العرب هي مهد الجنس السامي، بلاد العرب كخزان هائل يفيض في حقب متعاقبة، تبلغ الحقبة منها زهاء ألف عام، بما يزيد على طاقته من البشر إلى الخارج، يقذف بهم موجات أطلقوا عليها "الموجات السامية".
وقد علل القائلون بنظرية أن جزيرة العرب هي مهد الجنس السامي، سبب هذه الهجرات بعدم استطاعة جزيرة العرب تبول عدد كبير من السكان يزيد على طاقتها، فلا يبقى أمامهم غير سلوك طريق الهجرات إلى الأماكن الخصبة في الشمال. وقد كانت الطرق الساحلية من أهم المسالك التي أوصلت المهاجرين إلى أهدافهم.
وفي جملة أسباب ضيق جزيرة العرب عن استيعاب العدد الكبير من السكان تغير مستمر طرأ عليها، أدى إلى انحباس الأمطار عنها وشيوع الجفاف فيها مما أثر على قشرنها وعلى أحيائها، فهلك من هلك وهاجر من هاجر من جزيرة العرب، وقد استمر هذا التغير آلافاً من السنين حتى حوّل بلاد العرب أرضين غلبت عليها الطبيعة الصحراوية، وقلّت فيها الرطوبة، وغلب على أكر بقاعها الجفاف.
وقد رأى بعض العلماء أن جزيرة العرب كانت في عصر "البلايستوسين" "Pleistocene" حصبة جداً كثيرة المياه، تتساقط عليها الأمطار بغزارة في جميع فصول السنة، وذات غابات كبيرة وأشجار ضخمة، كالأشجار التي نجدها في الزمان الحاضر في الهند وإفريقية، وأن جوها كان خيراً من جو أوروبة في العصور الجليدية التي كانت تغطي الثلوج معظم تلك القارة، ثم أخذ الجو يتغير في العالم، فذابت الثلوج بالتدريج، وتغير جو بلاد العرب بالطبع، حدث هذا التغير في عصر ال "نيوليتتك Neolithic" أو في عصر ال "كالكوليتك" "Chalcolithic"، ولم يكن هذا التغير في مصلحة جزيرة العرب، لأنه صار يقلل من الرطوبة ويزيد في الجفاف، ويحول رطوبة التربة إلى يبوسة فيميت الزرع بالتدريج، ويهيج سطح القشرة فيحولها رمالاّ وتراباً ثم صحارى لا تصلح للإنبات ولا لحياة ا لأحياء.
فاضطر سكان الجزيرة الذين كانوا من الصيادين إلى أن يكيفوا أنفسهم بحسب الوضع الجديد، فأخذ ناس منهم يهاجرون إلى مناطق أخرى ملائمة توائم حياتهم ومزاجهم، وأخذ ناس آخرون يعتمدون على الزرع وتدجين الحيوانات، وعلى الاكتفاء بصيد ما يرونه من حيوانات تحملت الجو الجديد متنقلين من مكان إلى مكان حيث الكلأ والماء. وهكذا تعرضت حياة الأجسام الحية من نبات وحيوان لتغيرات تدريجية مستمرة، فرضها عليها تغير الجو.
وقد أسى انحباس المطر وازدياد الجفاف ويبوسة الجو إلى انخفاض الرطوبة من سطح الأرض، وهبوط مستوى الماء بالتدريج عن قشرة الأرض، وظهور الأملاح في الآبار، وجفاف بعض الآبار، فأدى ذلك إلى ترك الناس هذه الأماكن، إذ صعب عليهم استغلالها بالزراعة، وإصلاحها بحفر آبار لا تساعد مياهها الملحة على نمو النبات، ومعيشة الحيوان. حدث ذلك حتى في العصور الإسلامية حيث نسمع شكاوى مريرة من هذه العوارض الطبيعية.
وقد تحدث "فلي" عن هبوط مستوى مياه بعض الآبار التي زارها عام 1917 م في الخرج، كما تحدث غيره من السياح عن حوادث مشابهة حدثت في تهامة والحجاز وأماكن أخرى.
ويعزو علماء طبقات الأرض انخفاض مستوى سطح الماء في جزيرة العرب إلى عوامل أخرى، إضافة إلى الجفاف مثل هبوط درجات الضغط على قشرة الأرض. وقد رأى الخبر الأمريكي "تويجل" "Twitchell"، أن الماء قد انخفض زهاء سبع وعشرين قدماً عن مستواه الذي كان عليه قبل ألفي عام. ومن العلماء من يرى أن مستوى سطح الماء في البحر الأحمر وفي الخليج العربي قد انخفض كذلك، فذهب بعض علماء دراسة التوراة إلى أن مستوى سطح الماء في خليج السويس قد انخفض "25" قدماَ عما كان عليه في "أيام الخروج - Exodus". وذهبت جماعة منهم إلى أن هذا الهبوط لم يكن كبراَ، وإنما بلغ زهاء ست أقدام أو أقل من ذلك في خلال ثلاثة آلاف سنة. اما مستوى سطح الخليج العربي، فقد هبط على راي بعضهم زهاء عشر أقدام أو خمس أقدام خلال ألفي عام، وان ماء البحر قد تراجع في هذه المدة، ويستدلون على ذلك بوجود السباخ في الأحساء والقطيف، وهي، فيرأيهم، من بقايا تأثر البحر في الأرض وبما ذهب اليه بعضهم من أن الربع الخالي، وقد عثر فيه على بقايا بحر واسع في السهل المنخفض الذي يقال له أبو بحر، كان متصلاً بالبحر العربي. ومهما يكن من شيء، فإن هبوط. مستوى سطح الماء مهما كان مقداره قد أثر في سطع الأرض.
وقد وجد السياح محاراً من النوع الذي يكون في المياه العذبة، وأدوات من للصوان ترجع إلى ما قبل التاًريخ والعصور الحجرية، وبقايا عظام ترجع إلى هذه العصور في مناطق صحراوية، ويدل وجودها فيها على أنها كانت مأهولة، وأنها لم نهمل إلا لعوارض طبيعية قاهرة لم يكن من الممكن التغلب عليها، حولت تلك المناطق الخصبة في ألوف من السنين إلى مناطق لا تتوفر فيها شروط الحياة، فهجرت.
كما أننا نجد في الكتب العربية ذكر أشجار ضخمة كانت تنمو في مناطق لا تنبت شيئا ما في الزمان الحاضر، وذكر مناطق كانت تحمي، يقال لها "الحمى" وقد جفّ معظمها، وعاد أرضين قفرة جردء، فهلاك هذه النباتات وجفاف هذه الأرضين، لا يمكن أن يعزى إلى سوء الأوضاع السياسية وهجرة القبائل والمزارعين إلى أماكن أخرى لفساد الإدارة في الأماكن البعيدة حسب، بل لا بد ان يكون للطبيعة يد في هذا التحول ونصيب. إن هذا التغير الذي حدث في جو جزيرة العرب، فساعد على ازدياد الجفاف وانحباس الأمطار، قد أباد النباتات، وقاوم نمو المزروعات، وعفى على الأشجار الضخمة التي كانت تعيش من امتصاص جذورها العميقة للرطوبة من أعماق الأرض، كما أثر في حياة الحيوان كالأسد الذي قلّ وجوده، وقد كان كثير الوجود، ويدل على كثرة وجوده هذه الأسماع الكثيرة التي وضعت له وحفظت في كتب اللغة. وحمار الوحش وقد كان من الحيوانات التي يخرج الناس لصيدها في الحجاز وفي نجد، والنعامة. والرئم أو بقر الوحش، والفهد، والنسر.
ومن العلماء الذين نسبوا هجرة الساميين من جزيرة العرب إلى خارجها، إلى عامل الجفاف والتغير الذي وقع في جو جزيرة العرب، العالم الايطالي "كيتاني" "L.Caetani". لقد تصور "كيتاني" بلاد العرب في الدورة الجليدية جنة، بقيت محافظة على بهجتها ونضارنها مدة طويلة وكانت سبباً في رسم تلك الصورة البديعة في مخيلة كتاب التوراة عن "جنة عدن". وجنة عدن المذكورة في العهد القديم هي هذه الجنة التي كانت في نظر "كيتاني" في جزيرة العرب، غير أن الطبيعة قست عليها، فأبدلتها صحارى ورمالأ، حتى اضطر أصحابها إلى الارتحال عنها إلى أماكن تتوافر فيها ضروريات الحياة على الأقل فكانت الهجرات إلى العراق وبلاد الشام ومصر والمواطن السامية الأخرى. وكانت هذه الهجرات كما يقول قوية وعنيفة بين سنة 2500 وسنة 1500 قبل الميلاد، فدخل الهكسوس أرض مصر، وهاجر العبرانيون إلى فلسطين، ثم ولي ذلك عدد من الهجرات.
ويرى "كيتاني" أن هذا التغير الذي طرأ على جو جزيرة العرب، إنما ظهر قبل ميلاد المسيح بنحو عشرة آلاف سنة، غير أن أثره لم يبرز ولم يؤثر تأثيراً محسوساً ملموساً إلا قبل ميلاد المسيح بنحو خمسة آلاف سنة. وعندئذ صار سكان بلاد العرب، وهم الساميون، ينزحون عنها أمواجاً، للبحث عن مواطن أخرى يتوفر فيها الخصب والخير، وحياة أفضل من هذه الحياة التي أخنف تضيق منذ هذا الزمن.
وقد تصور "كيتاني" أودية جزيرة العرب، مثل وادي الحمض ووادي السرحان ووادي الرمة ووادي الدواسر، أنهاراً كانت ذات مياه غزيرة تنساب أليها من المرتفعات والجبال في الدهور الغابرة، أثرت فيها التغيرات الطبيعية المذكورة، فقلت من مياهها حتى جفت، فصارت أودية، لا تجري فيها المياه إلا أحياناً، إذ تسيل فيها السيول بعد هطول الأمطار.
وقد ذهب إلى هذا الرأي المستشرق الألماني "فرتز هومل" أيضا، فرأى أن الأنهر المذكورة في التوراة على أنها أنهر جنة "عدن"، هي أنهر تقع في بلاد العرب، وأن الأنهر المشار أليها، هي وادي الدواسر، و وادي الرمة، ووادي السَّرحان، ووادي حَوْران. وأما "كلاسر"، فذهب إلى أن نهري "جيحون" و "فيشون"، وهما من أنهر "جنة عدن" الأربعة في رواية التوراة، هما في جزيرة العرب.
ويعتقد "كيتاني" أن الفيلة والحيوانات الضخمة التي يندر وجودها اليوم في بلاد العرب، كانت موجودة فيها بكثرة، ولا سيما في أرض "مدين". وكان الصيادون يخرجون لاصطيادها لأكل لحومها. وقد جاء بأمثلة لتأييد رأيه من كتب "الكلاسيكيين".
وقد قسّم "كيتاني" جزيرة العرب إلى قسمين: غربي وشرقي. أما القسم الغربي، فهو الذي على ساحل البحر الأحمر الشرقي، وفيه سلاسل جبلية ومرتفعات. و أما القسم الشرقي، فالأرضون التي تأخذ في الانحدار والميل. وهي عند السفوح الشرقية للجبال، وتمتد نحو الخليج. وقد كان سكان المناطق الغربية -في رأيه - في مستوى راق من المدنية، وكان لهم سلطان كبير على المناطق الشرقية، وعلى سكانها الذين كان يغلب عليهم الفقر. وقد كان فعل الجفاف أشد وأسرع في الأرضين الشرقية منه في الأقسام الغربية، لذلك بدأت الهجرات من هذه المناطق قبل المناطق الغربية، وظهرت فيها البداوة بصورة أوضح من ظهورها في الأرضين التي على ساحل البحر الأحمر والمتصلة باليمن وبلاد الشام. ولما توسعت منطقة الجفاف وأخذت الرطوبة تقلّ في جو بلاد العرب الغربي، ظهرت أعراض الصحراوية في تلك الأرضين كنللك، واضطر السكان إلى الهجرة منها إلىمناطق أخر ى.
وقد لاقت نظرية "كيتاني" هذه رواجاً بين عدد كبير من المستشرقين، واعتدها "السير توماس أرنولد" من أهم النظريات التي اكتشفها المؤرخون الحديثون بالنسبة إلى التاريخ العربي. غير أن المستشرق "الويس موسل"، يرى أنها لا تستند إلى أسس تاريخية، ولا إلى أدلة علمية، وأن القائلين بها قد بالغوا فيها مبالغة كبيرة، ويرى أنه ما دامت البحوث "الجيولوجية التي قام بها العلماء في مراحلها الأولى، قد جرت في مناطق محدودة فلم تفحص أكثر مناطق جزيرة العرب فحصاً علمياً فنياً، حتى الآن، فلا يصح الاعتماد على فرضيات، تبنى عليها آراء ثابتة. ولهذا فهو يرى أن الأدلة "الجيولوجية" التي استشهد بها "كيتاني" ضعيفة وغير كافية، فهي لا تستحق مناقشة، واكتفى بمناقشة الأدلة التأريخية.
يرجع "موسل" سبب الهجرات، وتحول الأرضين الخصبة صحارى، إلى عاملين هما: ضعف الحكومات، وتحول الطرق التجارية. فضعف الحكومات ينشأ عنه تزعم سادات القبائل و الرؤساء، و انشقاقهم على الحكومات المركزية، ونشوب الفتن والاضطرابات واشتعال نيران الحروب، وانصراف الحكومة والشعب عن الأعمال العمرانية، وتلف المزارع والمدن، وتوقف الأعمال التجارية وحصول الكساد، وانتشار الأمراض والمجاعة، والهجرة إلى مواطن أخرى يأمن فيها الإنسان على نفسه و أهله وماله. فخراب سدّ "مأرب" مثلاً لا يعود إلى فعل الجفاف الذي أثر على السدّ كما تصور ذلك "كيتاني"، بل بعود إلى عامل آخر لا صلة له بالجفاف، هو ضعف الحكومة في اليمن، وتزعم "الأقيال" و "الأذواء" فيها، وتدخل الحكومات الأخرى في شؤون العربية الجنوبية كالحبشة والفرس، مما أدى إلى اضطراب الأمن في اليمن، وظهور ثورات داخلية وحروب، كالذي يظهر من الكتابات التي تعود إلى النصف الثاني من القرن للسادس للميلاد، فألهى ذلك الحكومة عن القيام بإصلاح السد، فتصدعت جوانبه، فحدث الانفجار، فخسرت منطقة واسعة من أرض اليمن مورد عيشها الأول، وهو الماء، ويبست المزارع التي كانت ترتوي منه، واضطرت القبائل وأهل القرى والمدن الواقعة فيها إلى الهجرة إلى مواطن جديدة. وتصدع السد بسبب ضغط الماء على جوانبه،هو في حد ذاته دليل على فساد نظرية الجفاف.
ويرى "موسل" أن التقدم الذي حدث في البلاد العربية بعد القرن التاسع عشر دليل آخر على فساد نظرية "كيتاني"، فقد ظهرت مدن حديثة، وعمرت قرى، وشقت ترع، وحفرت آبار، وعاش الإنسان والحيوان والنبات في مناطق من العراق وسورية ولبنان وفلسطين والأردن كانت تعد من الأرضين الصحراوية. فليس الجفاف هو المانع من عمارة هذه المناطق، والسبب في تكون هذه الصحارى، بل السبب شيء آخر، هو ضعف الحكومات وانصرافها عن العمارة وعن المحافظة على الثروة الطبيعية وضبط الأمن، ووقوفها موقف المتفرج تجاه قطع الناس للأشجار واستئصالها لاستخراج الفحم منها، أو لاستعمال خشبها في أغراض أخرى، وقتال القبائل بعضها ببعض، هذا وان من الممكن إعادة قسم من الأرضن الجرد إلى ما كانت عليه، إذا ما تهيأت لها حكومة قوية رشيدة تنصرف إلى حفر الآبار، و إقامة السدود، وغرس الجبال، وإنشاء الغابات، والاستفادة من مياه العيون.
وبرى "موسل" أيضا أن ما ذكره "كيتاني" عن الأنهار في جزيرة العرب مسالة لا يمكن البت فيه ألان، لقلة الدراسات العلمية، كما ان ما ذكره عن انعدام أجناس من الحيوانات، ليس مرده إلى الجفاف وعدم احتمال تلك الحيوانات الجو الجديد، فهلكت، أو هاجرت إلى مواطن جديدة، بل مرده في نظره إلى اعتداء الإنسان عليها، وقتله اياها. ودليله على ذلك أن الحيوانات التي ورد ذكرها في كتب "الكلاسيكيين" لا تزال تعيش في المناطق التي عيّنها أولئك الكتاب، ولكنها بقلة. كذلك نجد الهمداني وغيره ينكر وجود الأسد و حيوانات أخرى في مواضع قل فيها وجودها الأن، وهذا مما يشير إلى أن هذه الحيوانات لم تنقرض أو تقل بفعل تبدل الجو، بل بفعل اعتداء البشر عليها، وان اعتداء البشر على الحيوان شر من اعتداء الطبيعة عليه.
ولا يوافق "موسل" على نطرية "كيتاني" في هجرة القبائل العربية من الجنوب إلى الشمال، أو من الشرق إلى الشمال. وقد رأى "كيتاني" كما سبق أن ذكرنا تقسيم جزيرة العرب إلى قسمين: قسم غربي وهو الممتد من فلسطين إلى اليمن، وينتهي بالبحر العربي، وتكون حدوده الشرقية "السراة" والغربية البحر الأحمر ومضيق باب المندب. وقسم شرقي، وهو ما وقع شرقي "السراة" إلى الخليج والبحر العربي.
وقد ظهر الجفاف في رأي "كيتاني" في القسم الشرقي قبل الغربي، وهذا صار سكانه يهاجرون منه بالتدريج إلى مواطن جديدة صالحة للاستيطان مثل العراق والشام، كما صار سبباً لظهور الصحارى الشاسعة في هذا القسم بصورة لا نعهدها في القسم الغربي. و يرى "موسل" أن هذا التقسيم لا يستند إلى أسس طبيعية و جغرافية، ولا إلى أراء "الكلاسيكين"، أو علماء الجغرافية العرب، أو غيرهم و انه مجرد رأي لا يكون حجة لإثبات هذا الرأي.
و لموسل رأي في الهجرات، يرى أن ما قاله "كيتاني" و غيره عن الهجرات من جزيرة العرب، من اليمن أو من نجد إلى الشمال، قول لا يستند إلى دليل تاريخي قوي. فليست لدينا حتى ألان براهين كافية تثبت - على حد قول موسل- أن أصل "الهكسوس" أو "العبرانيي" مثلا من جزيرة العرب. كما إن ما ادعاه "كيتاني" عن استمرار الهجرات من الألف الثالث أو قبل ذلك قبل الميلاد إلى القرن السابع بعد الميلاد قول لا ينطبق مع المنطق. فَلِمَ ضلت هذه الهجرات مستمرة إلى أن توقفت بعد القرن السابع للميلاد? أزدادت الرطوبة و تحسن الجو? أم أن القبائل الكبيرة قد تجزأت إلى قبائل صغيرة و عشائر و أفخاذ، فأصبح في إمكانها العيش بعض الشيء في محال صغيرة، لا تحتاج إلى مراعي شاسعة ، و لا إلى مياه غزيرة? فلم تدفعها الحاجة منذ هذا العهد إلى الهجرة في شكل موجات كبيرة و هل كان الجفاف هو المانع من مهاجمة حدود الإمبراطورتينالبيزنطية و الساسانية كانتا قد سدتا أبواب جزيرة العرب على اهلها، فلم تسمحا بتخطي هذه الحدود? و يرى إن ما ادعاه "كيتاني" من أن الجفاف والجوع حملا قبائل اليمن على الهجرة إلى الهلال الخصيب حيث نزلت في أرضين كانت خالية مهجورة على أطراف الفرات والشام، فألفت حكومتي "المناذرة" و "الغساسنة"، قول لا يؤيده ما جاء في الكتب "الكلاسيكية" وفي المصادر "السريانية" من أن تلك الأرضين كانت عامرة، آهلة بالسكان، تمر بها الطرق التجارية العالمية. ويرى "موسل" أن الحكومتين "اللخمية" و "الغسانية" إنما ظهرتا بعد سقوط "تدمر" وقد أسس الدولتين "مشايخ من أهل الهلال الخصيب،ولم يكونوا مهاجرين وردوا من الجنوب، أو من العروض على نحو ما تزعمه بعض الروايات.
و يأخذ "موسل" على "كيتاني" تصديقه الرواية العربية عن هجرة القبائل ونظريتها في الأنساب، واعتدادها من جملة الأدلة التي تثبت نظرية الجفاف. ويرى أنها - مع التسليم بصحتها - تنطبق على الوضع الذي كان في القرن السابع للميلاد وفي الجاهلية القريبة من الإسلام، وأنها رواية تستند إلى خبر مسوغ لا يصح أن يكون سنداً في إثبات الهجرات لما قبل الميلاد.
ويمكن تفسير انتساب القبائل - على حد قول موسل - بصورة أخرى، هو ان العرب الجنوبيين كانوا قد هيمنوا في الجاهلية وقبل الإسلام بقرون على الطريق التجارية التي تصل الشام باليمن وعلى الطرق التجارية الأخرى، وكانت لهم حاميات فيها لحماية القوافل من غارات الأعراب، فلما ضعف أمر حكومات اليمن، استقلت هذه الحاميات، وكان كثيراً من أفرادها قد تزاوجوا مع من كان يجاورهم من القبائل، واتصلوا بهم. ولما كان لليمن مقام عظيم وشر ف بين القبائل، انتسب هؤلاء إلى اليمن، وصاروا يعدون أنفسهم مهاجرين، يتصل نسبهم بنسب اليمن. ومن هنا نشأت، في رأي "موسل" أسطورة الأنساب ثم جاء علماء الأنساب في "المدينة" و "الكوفة" فسجلوها على أنها حقيقة واقعة، ومنهم انتقلت إلى كتب التأريخ، فتوسعت وتضخمت في الإسلام.
ويدّعي "موسل" أنه لو كانت هنالك هجرات حقاً، لرأينا أثرها في لغة القبائل النازحة إلى الشمال وفي عقيدتها الدينية وفي ثقافتها وفي أساطيرها وفي قصصها الشعبي، ولوجدنا في أقل الأحوال إشارة في الكتابات العربية الجنوبية التي تعود إلى ما قبل الإسلام. ولكننا لا نجد في شيئاً من ذلك، وهذا مما يفند رأي القائلين بالهجرات، وباًن أصل كثير من القبائل التي كانت تقيم في شمال جزيرة العرب، ومن هؤلاء الغساسنة والمناذرة، هم من اليمن.
ويعترض "موسل" أيضا على دعوى "كيتاني" وغيره من المستشرقين ممن زعموا أن الفتح الإسلامي هو آخر هجرة سامية قذفت بها جزيرة العرب إلى الخارج، وأنها كانت بسبب الجفاف والجوع، ويرى أن ما جاء في هذه الدعوى لا يتفق مع الحقيقة، وأن ما ذكوه "كيتاني" عن عدد نفوس الحجاز مبالغ فيه، وأن الجيوش التي اشتركت في فتح العراق والشام وفلسطين لم تكن حجازية أو نجدية حسب، بل كانت فيها قبائل عراقية وشامية نصرانية، ساعدت أبناء جنسها العرب مع اختلافها مع المسلمين في الدين، وحاربت الروم والفرس، ولذلك فليست الفتوحات الإسلامية هجرة من جزيرة العرب إلى الخارج على نحو ما تصوره "كيتاني" بدافع الفقر والجوع.
والرأي عندي أن ما يسمى بموضوع تغير الجو في جزيرة العرب وبالهجرات للسامية والاستشهاد بآثار السكنى عند حافات الأودية وفي أماكن مهجورة نائية، لأتخاذ ذلك دليلا على الوطن السامي وعلى هجرة الساميين، هو موضوع لم ينضج بعد، وهو لا يزال بعد يحتاج إلى دراسات علمية وإلى نتائج أبحاث علماء "الجيولوجيا" والعلوم الأخرى، ليقولوا كلمتهم في هذا الموضوع. فعلى بحث هؤلاء يتوقف الحكم في موضوع تطور الجو وتغير الإقليم. أما الحدس والتخمين، وأما الاعتماد على حوادث وعلى بحوث لغوية ومقابلات ومطابقات في أمور دينية ثقافية أخرى، فأنها لا تكفي في نظري للبت في قضايا يجب أن يكون فيها الحكم والكلمة لمعلوم لا للحدس والتصور والتخمين. هذا هو رأيي الآن في هذا الموضوع، وفي كل الآراء الواردة عن مواطن الساميين.
فقد رأينا أن بعض تلك الآراء إنما قيلت لاعتقاد أصحابها بما ورد في التوراة، فجاءت بكل ما عندها من حجج وأدلة لإثبات رأيها هذا، ورأينا لن في بعض الأدلة متناقضات و استشهادات ضعيفة، ورأينا أن الاستشهاد باشتراك اللغات في الألفاظ لا يمكن أن يكون دليلاَ قاطعاً على الأصل المشترك، ثم إننا لا نملك سجلاَ تاريخياً للنبات والحيوان ولظهور الألفاظ حتى نستشهد به في إثبات نظرية من النظريات، كل ما لدينا من هذا النوع إنما هو مجرد رأي وحدس. والرأي لا يكون رأياً علمياً إلا بحجة قاطعة وبدليل علمي دامغ وبحوث مختبرية وآثار تثبت ذلك للعيان، فمن حقي إذن أن ألتزم التريث والانتظار وأستعجل العلماء المتخصصين في دراسة طبقات الأرض، لنرى نتائج بحوثهم لنستنير بها في إعطاء أحكام في هذه الآراء.
أما بعض الأمثلة التي استُشهد بها لإثبات تغير جو جزيرة العرب، فهي أمثلة لا يمكن أن تكون دليلاّ للتغير، وإنما ترجع إلى عوامل أخرى مثل تغير طريق القوافل، وتغير اتجاهات السفن البحرية، وإلى الفتن والحروب وغارات القبائل المتوالية التي هي من شر الأوبئة التي فتكت بالمجتمع العربي، فسببت هرب الحضر من أماكن إقامتهم إلى أماكن أخرى، لعدم وجود قوات نظامية وحكومة ترد اعتداءات الأعراب عليهم، ثم الحروب الأهلية التي وقعت في اليمن بين الحبش وأهل اليمن وأمثال ذلك مما وقع بين الفرس والعرب. أما في الإسلام، فقد كان للفتوحات دخل كبير في هجرة القبائل لنشر الإسلام وللاستمتاع بخيرات بقاع جديدة في العراق وفي بلاد الشام وفي أمكنة أخرى لا يوجد لها مثيل في جزيرة العرب، فتخربت لذلك بعض القرى والسدود القديمة التي كانت في الإسلام، وهي اليوم خراب. أضف إلى ذلك الحروب والفتن التي وقعت في اليمنوفي باقي العربية الجنوبية والعروض في أيام الأمويين والعباسين وفي الأيام التي تلتهم، فنشرت في تلك الديار الخراب، ثم إهمال الأمويين ومن جاء بعدهم من خلفاء وملوك وحكام شأن جزيرة العرب، لفقرها وعدم وجود موارد غنية فيها، وانتقال أصحابها أصحاب الجاه والنفوذ إلى البلاد الغنية، ولم يبق من يدافع عنها ويتحدث بلسانها باعتبارها مهد العرب الأول ومهد الإسلام، فتقوى الخراب بذلك على العمار، وأخذ يبتلع ما يجده أمامه من مستوطنات حتى وصلت إلى ما وصلت أليه اليوم.
والدليل على ذلك، ورود أسماء مواضع عديدة في اليمامة وفي الحجاز وفي نجد واليمن وفي كل أنحاء جزيرة العرب الأخرى في الموارد العربية الإسلامية، كانت مأهولة مزروعة في صدر الإسلام، خربت وهجرت وصارت أثراً، وقد ذهب عن أكثرها حتى الاسم. فلما كتب عنها الجغرافيون لم يجدوا من عمرانها شيئا. بل نجد في كتب الجغرافيين أسماء مواضع نزلوا بها وأقاموا فيها، وكانت معمورة مسكونة. أما اليوم فلم يبق من أكثرها شيئاً، فهل نرجع فعل هلاكها إلى الجفاف وتغير الجو وإلى اندثار الواحات والبحيرات والأنهار? إن الجغرافيين المذكورين لم يشيروا إلى وجود واحات وبحيرات وأنهار حتى نقول بفعل الجو فيها، بل هنالك عوامل أخرى عديدة اضطرت الناس إلى ترك مواطنهم تلك التي ذكرتها، وفي مقدمتها الفتن والغزو وتغير الطريق وعدم قيام حكومة قوية تحمي الأمن.
وأما موضوع الاستشهاد بالهجرات، فإنه موضوع غامض محتاج إلى دراسة علمية عميقة، فالذين يرون أن جزيرة العرب كانت مهد الجنس السامي،وضعوا نظريتهم هذه قياساً على روايات أهل الأخبار من أمر هجرة العرب إلى تلك الأرضين، ومن الفتح الإسلامي الذي جرف قبائل عدنانية وقحطانية فساقها إلى بلاد العراق وبلاد الشام وإلى ما وراء هذه الأرضين، ومن هجرة قبائل من جزيرة العرب إلى تلك البلاد حتى الزمن القريب،ومن أخبار عن هجرة الفينيقيين من البحرين إلى بلاد الشام. ولكننا تجد من ناحية أخرى ان التوراة تذكر آن الاسماعيليين هم سكان أرضين تقع في الأقسام الشمالية الغربية من جزيرة العرب وفي شرق فلسطين في البادية وفي طور سيناء، والأخباريون يذكرون أن العدنانيين هم من سلالة اسماعيل أي أنهم اسماعيليون، ويذكرون أنهم جاؤوا من الشمال فسكنوا الحجاز، وأن جدهم رفع قواعد البيت الحرام، ونرى أن اليهود زحفوامن فلسطين نحو الحجاز، وأن أقواماً من سكان العراق زحفوا نحو الجنوب فسكنوها في العروض. وان قبائل عراقية كالقبائل العبرانية هاجرت من العراق إلى بلاد الشام ثم إلى مصر ثم عادت إلى بلاد الشمام، فمثل هذه الهجرات تلفت النظر وتجعل الباحث يبحث عن أمثلة أخرى من هذا القبيل، لعله يجد غيرها أيضا. وهي تجعله يشعر أن الهجرات لم تكن دائماً في اتجاه واحد، بل كانت حركة دائمة نتجه مختلف الاتجاهات، لعوامل سياسية واقتصادية وحربية ساحتها من شمال بلدية الشام إلى سواحل البحر العربي في الجنوب، ومن سواحل البحر الأحمر إلى سواحل الخليج العربي، فهي ليست هجرات بالمعنى الذي نفهمه من الهجرات في لغة علماء الساميات، ذات أزمان معينة لها أمد محدود كألف عام أو أكثر من ذلك أو أقل، و بمقياس ضخم كبير، بل هي حركة دائمة لقبائل أو لجماعات تتنقل من مكان إلى مكان طلباً للمعاش أو لأحوال سياسية وحربية، فهيهجرة بهذا المعنى إذن ليس غير. فهذه الأرضون التي تشمل كل جزيرة العرب والعراق إلى حدود الجبال وكل البادية الواسعة حتى سواحل البحر الأبيض فطور سيناء إلى نهر النيل، هي مواطن الساميين، ومسارحهم التي كانوا وما زالوا يدرجون عليها. وقد درجت عليها أقوام أخرى أيضا ليست بأقوام سامية، قبل الميلاد وبعده، بل حتى في زمن الاسلام، ولكنها غلبت على أمرها، وصهرت في بوتقة الساميين، أمثال الفرس واليونان والرومان والصليبيين. فقد بقي من هؤلاء خلق اندمجوا بهم وتخلقوا بأخلاقهم وتكلموا بألسنتهم بمرّ السنين، حتى صاروا مثلهم ومنهم، وبذلك امتزجت دماء الساميين بدماء غريبة عنهم فدمهم من هنا ليس بدم صاف نقي، وليس في الأجناس البشرية جنس يستطيع أن يفخر فخراً مطلقاً بكونه الجنس النقي الخالص الذي لم يختلط قط بأي دم غريب.
أضف إلى ما تقدم أن العلماء القائلين بتبدل الجو وبتغيره، هم على خلاف بينهم في الأزمنة وفي الأسباب. فمنهم من بالغ، ومنهم من أفرط حتى قال إن الجو في جزيرة العرب كان يختلف في أيام اليونان والرومان عنه في الأيام الحديثة. ومنهم من قال إن الجو لم يتبدل تبدلا محسوسا مؤثرا فيها منذ حوالي ألفي عام، و منهم من عزا أسباب انخفاض مستوى الماء الارضي في جزيرة العرب إلى عوامل ليست لها صلة بتبدل الجو، وعزا خراب القرى و المدن و اندثار السدود إلى عوامل أخرى لا علاقة لها بتبدل الجو. ومع كل ذلك، فأن هذه الدراسات لم تنضج بعد، ودراسة جزيرة العرب و جوها لم تتم بصورة علمية مختبرية بعد، و أكثر ما ذكرته هو ملاحظات مؤرخين أو باحثين علميين، على نحو من الحدس و التخمين، و لا يمكن بناء نظريات معقولة على مثل هذه الآراء.
إن هذه الملاحظات تدفعني إلى التريث في البت في وطن الجنس السامي،حتى تتهيأ دراسات أخرى علمية دقيقة عنه، لأن الأخذ بالقياس، و بمجرد الملاحظات والمشاهدات، لا يمكن أن يكون دليلاً علمياً مقنعاً في تثبيت الوطن الأول الذي ظهر فيه هدْا النسل الذي نسميه بالنسل السامي. وان كنت أجد أن جزيرة العرب قد أمدّت الأقسام العليا منها، وهي بلاد العراق والبادية وبلاد الشام بفيض من الناس، بصورة دائمة مستمرة، وذلك لأسباب عديدة عسكرية واقتصادية، و إنها لم تأخذ من تلك الأرضين مثل هذا الفيض.
إن نظرية موطن الجنس السامي، هي في نظري جزء من مساًلة كبرى معقدة، هي مساًلة موطن الجنس البشري بكامله، هل هو موطن واحد في الأصل، أو جملة مواطن، وإذا كان ذلك الموطن موطناً واحداً، فأين كان? وكيف ظهرت هذه الأجناس البشرية بألوانها المتعددة وبسحنها المختلفة? إن هذه بحوث، على البشرية أن تضني نفسها في البحث عنها! وكل بحوثنا الآن حدس وتخمين، حتى يترقى العلم البشري إلى درجات فدرجات.
اللغة للسامية لأم
تدفعنا هذه النظريات التي قالها العلماء عن السامية وعن القرابة اللغوية التي نراها في مجموعة اللغات السابة، وعن اشتراكها في كثير من أسس النحو والصرف، لد التفكر في أن جميع هذه اللغات تفرعت من لغة واحدة هي أم اللغات للسامية، "Uresmitisch" كما يعير عنها بالألمانية. ويدفعنا ذلك إلى البحث عن أقدم النصوص المدونة في اللغات السامية، وعن الخصائص الأساسية المشتركة بين كل هذه اللغات، للوقوف على اللغة السامية الأولى التي انقرضت، وبقيت آثارها في هذه الجذور التي غذت اللغات السامية القديمة منها والحديثة بالخصائص السامية، وعن اقرب الفروع التي انفصلت من الأم.
لقد بحث المستشرقون في هذا الموضوع ولا يزالون يبحثون فيه، فمنهم من وجد أن العبرانية أقدم اللغات السامية، وأقربها عهدا بالأم، ومنهم من رأى إن العربية على حداثة عهدها جديرة بالدراسة والعناية، لأنها نحمل جرثومة السامية، ومنهم من رأى القدم للآشورية أو البابلية، وهناك من رأى غير ذلك. وبالجملة، بر يدع أحد من العلماء أنه توصل إلى تشخيص لغة "سام"، وتمكن من معرفة اللغة التي تحدث بها مع أبيه "نوح" أو مع أبنائه الذين نسلوا هذه السلالات السامية.
وكان من جملة العوامل التي ألهبت نار الحماسة في نفوس علماء التوراة والساميات للبحث عن اللغة السامية الأولى أو أقرب لغة سامية أليها، القصص الوارد في التوراة عن سام وعن لغات البشر، وبابل ولغاتها والطوفان وما شاكل ذلك، ثم وجد المستشرقون المعاصرون أن البحث في هذا الموضوع ضرب من العبث، لأن هذه اللغات السامية الباقية حتى الآن هي محصول سلسلة من التطورات وللتقلبات لا تحصى، مرت بها حتى وصلت إلى مرحلتها الحاضرة، كما أنها حاصل لغات ولهجات منقرضة. واللغة السامية القديمة لم تكن إلا لغة محكية زالت من الوجود، دون أن تترك أثراً. ومن الجائز أن يهتدي العلماء في المستقبل إلى لغات أخرى، كانت عقداً بين اللغات السامية القديمة التي لا نعرف من أمرها شيئاً وبين اللغات السامية المعروفة. والأفضل أن ننصرف ألان إلى دراسة اللغات السامية والموازنة بينها، لنستخلص المشتركات والأصول. ومتى تتكون هذه الثروة اللغوية، يسهل ابحث في اللغة السامية الأم، كما تستحسن الموازنة بين هذه اللغات واللغات التي ظهرت في القارة الإفريقية، مثل المصرية القديمة والبربرية والهررية وبقية اللهجات الحبشية، لتكوين فكرة علمية عن الصلات التي تربط بن الحاميين والساميين وكانت من جملة العوامل التي دفعت بعض العلماء إلى القول بأن أصل الجنسين واحد، كان يقيم في قارة إفريقية.
وبالجملة إن هناك جماعة من المستشرقين ترى ان اللغة العربية على حداثة عهدها بالنسبة إلى اللغات السامية الأخرى، هي أنسب اللغات السامية الباقية للدراسة وأكثرها ملاءمة للبحث، لأنها لغة لم تختلط كثيراً باللغات الأخرى، ولم تتصل باللغات الأعجمية قبل الإسلام، فبقيت في مواطنها المعزولة صافية، أو أصفى من غيرها في أقل الأحوال، ثم أنها حافظت على خواص السامية القديمة مثل المحافظة على الإعراب على حين فقدت هذه الخاصة المهمة أكثر تلك اللغات، ولهذه الأسباب وغيرها رأوا أن دراستها تفيد كثيراً في الوقوف على خصائص السامية القديمة ومزاياها.
وقد شغل علماء العرب أنفسهم بموضوع اللغة السامية أو لغة سام بن نوح بتعبير أصج، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك، ذهبوا إلى البحث في لغة آدم أبي البشر وفي لغة أهل الجنة. وقد سبق لليهود والنصارى أن بحثوا في هذا الموضوع أيضا، في موضوع لغة آدم أي لغة البشر الأولى، التي تفرعت منها كل لغات البشر حتى اليوم. وقد ذهب بعض علماء العربية إلى أن العربية هي اللسان الأول، هي لسان آدم، إلا أنها حرفت ومسخت بتطاول الزمن عليها، فظهرت منها السريانية، و سائر اللغات. قالوا: "كان اللسان الأول الذي نزل به آدم من الجنة عربياً، إلى أن بعد العهد. وطال، فحرِّف وصار سريانياً. وهو يشاكل اللسان العربي إلا أنه محرف". وقد أدركوا ما أدركه غيرهم من وجود قرابة وصلة بين العربية وبين السريانية، فقال المسعودي: "وإنما تختلف لغات هذه الشعوب "أي شعوب جزيرة العرب" من السريانيين اختلافاً يسيراً". وقد أخذ علماءالعربية نظريتهم هذه من أهل الكتاب. ولما كانت السريانية هي لغة الثقافة والمثقفين، ولغة يهود العراق وأكثر أهل الكتاب في جزيرة العرب في ذلك العهد، فلا يستغرب إذن قول من قال إن السريانية هي أصل اللغات وإنها لسان أدم ولسان سام بن نوح.
العقلية السامية
وتحدث المشتغلون بالتاريخ الثقافي و "علم الأجناس" عن عقلية خاصة بالشعوب السامية، دعوها "العقلية السامية"، كما تحدثوا عن عقلية "آرية" وعن عقليات أخرى، وحاولوا وضع حدود لأوصاف العقلية السامية، ورسم صورة خاصة بها تميزها عن صور العقليات البشرية الأخرى.
وقد شاعت هذه النظرية نظرية خصائص العقلية السامية في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، ووجدت لها رواجاً كبيرا، لظهور بعض الآراء والمذاهب التي مجدت العقلية الأوروبة، وسبّحت محمدها، وقالت بتفوق العقل الغربي الخلاق المبدع على العقل الشرقي الساذج البسيط! ورمز العقل الشرقي هو العقل السامي، فهو لذلك عقل ساذج بسيط. ومن أشهر مروّجي هذه النظرية الفيلسوف الفر نسي "رينان" "Ernest Renan" "1823 - 1892 م"، و "كراف كوبينو" "Graf Arthur Gobineau" "1816 - 1882 م"، وهو من القائلين بتمايز العنصريات البشرية وبتفوق بعضها على بعض وبسيادة العقلية الآرية على سائر العقليات، و "هوستن ستيوارت شامبر لن Housten Stewart Chamberlain" "1855-1927 م" صاحب كتاب "أسس القرن التاسع عشر".
ومن هذه الموارد أخذت "النازية" نظريتها في تفوق العرق الآري على سائر أعراق البشر، وتفوق الجنس "الجرماني" خاصة من العرق الآري على سائر الأجناس والأعراق البشرية. ومن هنا وضع "هتلر" "قوانين نورنبرك" لحماية الدم الآري من الاختلاط بالدماء الأخرى، ولصيانته ولبقائه دماً نقماً صافياً. ولترسيخ هذه النظرية في نفوس الناس ولترويجها بين الألمان والأوروبيين، شجع البحث في موضوع "الأجناس البشرية"، وحشد عدداً كبيرا من الأساتذة لإجراء بحوث ودراسات فيه، وأوحى إلى أساتذة التأريخ كتابة التأريخ بطريقة تظهر دائماً أن الحضارة البشرية هي حاصل عمل الشعوب الآرية وحدها، وناتج من نتاجها، بتلك الشعوب بدأت وبها تستمر. وقرر أن ما يقال عن حضارات الشرق الأدنى القديمة هو لغو وهراء، وهذا أوجب كتابة تأريخ هذه الشعوب على نحو جديد، وعلى أساس هذه الفلسفة.
وبحوث مثل هذه تقوم في ظروف كهذه أو في ظروف مشابهة لها، لا يمكن أن تكون إلا دراسات فجة مغرضة، مبعثها عاطفة وقصد مبيت، لذلك لا يمكن الاطمئنان أليها ولا الاعتماد عليها. والبحث في خصائص جنس من الأجناس وفي مميزاته وسماته الطاهرة والباطنة، يضفي تقصي ملامح الجنس في الحاضر والماضي، وذلك بدراسة ملامح الباقين وبفحص أجسامهم وخصائصهم بطرق علمية حديثة، وبدراسة عظام الماضين وما تخلف من أجسامهم في باطن الأرض بالأساليب العلمية الحديثة أيضا، ليكون بحثنا شاملاّ للماضي والحاضر، ومثل هذه البحوث لم تجرِ حتى الآن، لا على العرب، ولا على غير العرب من هذه الشعوب التي نسميها "الشعوب السامية".
ثم إن البحوث العلمية على قلتها وضآلتها تدل على وجود فروق بارزة بين الساميين في الملامح الجسمية، في مثل شكل الجمجمة والأنف. ووجود مثل هذه الفروق، لا يمكن أن يكون علاقة على وجود "جنس" بالمعنى العلمي المفهوم من "الجنس" يضم شمل الساميين. وعلى وجود علاقة خاصة بالساميين ذات حدود ورسوم تختلف عن عقليات الأجناس البشرية الأخرى.
والصفة العامة التي يراها علماء الساميات في الساميين، أن الساميين يحبون الحركة والتنقل والهجرة من مكان إلى مكان على طريقته الأعراب، وأنهم ميالون إلى الغزو والأخذ بالثأر، وعاطفيون تتحكم العواطف في حياتهم، ويغضبون لتافه الأمور ويرضون بسرعة، يحبون فيسرفون في حبّهم، ويظهرون الوجد فيه، ويبغضون فيبالغون في بغضهم حتى ليصلوا إلى حد القساوة والعنف لأسباب تافهة لا تستوجب كراهية و لا بغضا، فرديون في طباعهم تتغلب علهم الفردية، لذلك تراهم في الأصل قبائل، إذا اتحدت و كوّنت حكومة قوي ة كبيرة، لا تلبث أن تتعرض للانفصال و التفتت، الحياة عندهم على وتيرة واحدة. موسيقاهم و شعورهم العام بما في ذلك الشعر و الغناء و كل سائر التعبير عنه، حزن و نغم معدود مكرر. قضاؤهم قضاء قبلي، يقوم على القصاص بالمثل، و على أساس السن بالسن و العين بالعين و القتل بالقتل، و نظام الحكم عندهم نظام أسسه الفكرة القبلية، و ديانتهم متشابهة، تتجلى عندهم الغريزة الدينية و أتقاد المخيلة و قوة الشعور الفردي و القسوة, و تتغلب عليهم السطحية في التفكير، فلا يميلون إلى التعمق في درس الأشياء للوصول إلى كنهها و جوهرها، كما فعل اليونان.
وليست لهم قابلية في فهم الأمور المعقدة، ولهذا صارت أحكامهم عامة شاملة ساذجة لا تعقيد فيها، لأن تفكيرهم تفكير ساذج غير معقد. وتفكيرهم هذا هو الذي جعلهم يبشرون بالتوحيد على حين كانت الأديان الآرية -على حد قولهم- أدياناً معقدة تعتقد بوجود أكثر من إلَه ! ! ويرى هؤلاء العلماء أن البدوي هو خير ممثل للعقلية السامية، فقد عاش الساميون بدواً أمداً طويلاً، ومرّوا في حياتهم بحياة البداوة ولهذا صارت عقليتهم عقلية بداوة، تجمع بينهم صفات مشتركة نتجت من اشتراكهم في تلك الحياة.
وقد وضع المتعصبون للنظرية العنصرية كتباً في موضوعات متعددة، تعالج الجسم والروح ضد الساميين والآريين، وعنوا عناية خاصة بدراسة الحياة الروحية ومظاهرها عند الجنسين، فبحثوا في الناحية القانونية والتشريعات المختلفة عند الساميين والآريين، وقارنوا بين التشريع عند الجماعتين. كذلك عالجوا مختلف النواحي الأخرى من الحياة، حتى إن بعضهم ألف كتاباً في موضوع حرمة أكل لحم الخنزير عند الساميين. مع انه من اللحوم الشهية عند الآريين، وعدّ ذلك من مميزات الجنس.
وهناك جماعة من العلماء، رَدت على هذه النظرية التي تحدد العقليات، وترسم لها حدوداً وتضع لها معالم، رأت أن ما يذهب إليه أصحابها من وجود عقليات صافية خالصة للأجناس البشرية المذكورة، يستوجب وجود أجناس بشرية صافية خالصة ذات دماء نقية، لم تمتزج بها دماء غريبة، ويقتضي ذلك افتراضنا اعتزال الأجناس بعضها عن بعض عزلة تامة، وهو افتراض محال، لأن البشرية لم تعرف العزلة منذ القدم، ولم تبن حولها أسواراً مرتفعة تحول بينها وبين الاختلاط ببقية الأجناس، والشواهد التاريخية والبحوث العلمية المختبرية تشير إلى العكس، تشير إلى الاختلاط والامتزاج، كما ذكرنا آنفاً، فما يقال عن اختلاف العقليات، هو حديث، أوحته العواطف والنزوات. أما ما نشاهده من اختلاف في أساليب الفكر وفي فهم الأمور،فليس مرجعه ومردّه إلى الدم، بل إلى البيئات الطبيعة والاجتماعية والثقافية، فهي التي أثرّت و كونت هذه الفروق. وعلى الباحث دراسة كل ما يؤثر على الإنسان من محيط ومن مؤثرات طبيعية مثل الضغوط الجوية والحرارة والبرودة والرطوبة، ومن تركيب الأجسام وأشكالها. وألوان الشعر والبشرة والعين وبنية الجسم بصورة عامة، ومن أنواع الأغذية التي يتناولها والمحيطات الثقافية التي يعيش فيها إلى غير ذلك من مؤثرات يدرسها علماء الأجناس اليوم، وذلك لإصدار أحكام معقولة عن أجناس البشر.
[CENTER]يتبع[/CENTER
]






 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التوقيع :


كـــــــــــــــــــــــــــنعان
آخر تعديل ابو رامى2 يوم 30 / 06 / 2013 في 01:48 AM.
رد مع اقتباس

 

قديم 05 / 07 / 2011, 06:54 AM   رقم المشاركة : 4
المعلم كنعان
عضو فعٌال
 
الصورة الرمزية المعلم كنعان

 

         

المعلم كنعان غير متصل

تاريخ الإنتساب :  16 / 03 / 2011
رقم العضوية : 19947
عدد المشاركات : 106
الإقامة : egypt
الجنـس: ذكر
WhatsApp:
         
خاطرة: منتديات أحجار بيتي الثاني
 



مـوســوعــة تاريخ العرب قبل الإسلام

[frame="9 98"][B][SIZE="4"]الفصل السابع
طبيعة العقلية العربية

[RIGHT]لكل أمة عقلية خاصة بها، تظهر في تعامل أفرادها بعضهم مع بعض وفي تعامل تلك الأمة مع الأمم الأخرى، كما أن لكل أمة نفسية تميزها عن نفسيات الأمم الأخرى، وشخصية تمثل تلك الأمة،وملامح تكون غالبة على أكثر أفرادها، تجلها سمة لتلك الأمة تجزها عن سمات الأمم الأخرى.
والعرب مثل غيرهم من الناس لهم ملامح امتازوا بها عن غيرهم، وعقلية خاصة بهم. ولهم شمائل عرفوا واشتهروا بها بين أمم العالم، ونحن هنا نحاول التعرف على عقلية العربي وعلى ملامحه قبل الإسلام، أي قبل اندماجه واختلاطه اختلاطاً شديداً بالأمم الأخرى، وهو ما وقع وحدث في الإسلام.
وقد بحث بعض للعلماء والكتاب المحدثين في العقلية العربية، فتكلموا عليها بصورة عامة، بدوية وحضرية، جاهلية وإسلامية. فجاء تعميمهم هذا مغلوطاً وجاءت أحكامهم في الغالب خاطئة. وقد كان عليهم التمييز بين العرب الجاهلين والعرب الإسلاميين، وبين الأعراب والعرب، والتفريق بين سكان البواطن آي بواطن البوادي وسكان الأرياف وسكان أسياف بلاد الحضارة. ثم كان عليهم البحث عن العوامل والأسباب التي جعلت العرب من النوعين: أهل الوبر وأهل الحضر، تلك الجبلة، من عوامل إقليمية وعوامل طبيعية أثرت فيهم، فطبعتهم بطابع خاص، ميزهم عن غيرهم من الناس.
بل إن الحديث عن العقلية العربية، حديث قديم، ففي التوراة شيء عن صفاتهم و أوصافهم، كوّن من علاقات الإسرائيليين بهم، ومن تعاملهم واختلاطهم بالعرب النازلين في فلسطين وطور سيناء أو في البوادي المتصلة بفلسطين. ومن أوصافهم فيها: أنهم متنابذون يغزون بعضهم بعضاً، مقاتلون يقاتلون غيرهم كما يقاتلون بعضهم بعضاً "يده على الكل، ويد الكل عليه". يغيرون على القوافل فيسلبونها ويأخذون أصحابها اسرى، يبيعونهم في أسواق النخاسة، أو يسترقونهم فيتخذونهم خدماً ورقيقاً يقومون بما يؤمرون به من أعمال، إلى غير ذلك من نعوت وصفات.
والعرب فيَ التوراة، هم الأعراب، أي سكان البوادي، لذلك فإنّ النعوت الواردة فيها عنهم، هي نعوت لعرب البادية، أي للاعراب، ولم تكن صلاتهم حسنة بالعبرانيين.
وفي كتب اليونان والرومان والأناجيل، نعوت أيضا نعت بها العرب وأوصاف وصفوا بها، ولكننا إذا درسناها وقرأنا المواضع التي وردت فيها، نرى أنها مثل التوراة، قصدت بها الأعراب، وقد كانوا يغيرون على حدود إمبراطوريتي. الرومان واليونان، ويسلبون القوافل، ويأخذون الإتاوات من التجار والمسافرين وأصحاب القوافل للسماح لهم بالمرور.
وقد وصف "ديودورس الصقلي" العرب بأنهم يعشقون الحرية، فيلتحفون السماء. وقد اختاروا الإقامة في أرضين لا أنهار فيها ولا عيون ماء، فلا يستطيع العدو المغامر الذي يريد الإيقاع بهم أن يجد له فيها مأوى. انهم لا يزرعون حباً، ولا يغرسون شجراً، ولا يشربون خمراً، ولا يبنون بيوتاً. ومن يخالف العرف يقتل. وهم يعتقدون بالإرادة الحرة، وبالحرية. وهو يشارك في ذلك رأي "هيرودوتس" الذي أشاد بحب العرب للحرية وحفاظهم عليها ومقاومتهم لأية قوة تحاول استرقاقهم واستذلاهم. فالحرية عند العرب هي من أهم الصفات التي يتصف بها العرب في نظر الكتبة اليونان واللاتين.
وفي كتب الأدب وصف مناظرة، قيل إنها وقعت بين "النعمان بن المنذر" ملك الحيرة وبين "كسرى" ملك الفرس في شأن العرب: صفاتهم وأخلاقهم وعقولهم، ثم وصف مناظرة أخرى جرت بين "كسرى" هذا وبين وفد أرسله "النعمان" لمناظرته ومحاجته فيما جرى الحديث عليه سابقاً بين الملكين. وفي هذه الكتب أيضا رأي "الشعوبين" في العرب، وحججهم في تصغير شأن العرب وازدرائهم لهم، ورد الكتاب عليهم. وهي حجج لا تزال تقرن بالعرب في بعض الكتب.
ومجل ما نسب إلى "كسرى" من مآخذ زُعم انه أخذها على العرب، هو أنه نظر فوجد أن لكل أمة من الأمم ميزة وصفة، فوجد للروم حظاً في اجتماع الألفة وعظم السلطان وكثرة المدائن ووثيق البنيان، وأن لهم ديناً يبين حلالهم وحرامهم ويرد سفيههم ويقيم جاهلهم، ورأى للهند، نحواً من ذلك في حكمتها وطبّها مع كثرة أنهار بلادها وثمارها، وعجيب صناعاتها ودقيق حسابها وكثرة عددها. ووجد للصين كثرة صناعات أيديها وفروسيتها وهمتها في آلة الحرب وصناعة الحديد، وان لها ملكاً يجمعها، وأن للترك والخزر، على ما بهم من سوء الحال في المعاش وقلة الريف والثمار والحصون ملوك تضم قواصيهم وتدبر أمرهم. ولم يرَ للعرب دينا ولا حزماً ولا قوة. همتهم ضعيفة بدليل سكنهم في بوادي قفراء، ورضائهم بالعيش البسيط، والقوت الشحيح، يقتلون أولادهم من الفاقة ويأكل بعضهم بعضاً من الحاجة. أفصل طعامهم لحوم الإبل التي يعافها كثيرمن السباع لثقلها وسوء طعمها وخوف دائها. "وإن قرَى أحدهم ضيفاً عدّها مكرمة. وإن أطعم أكلة عدها غنيمة تنطق بذلك أشعارهم، وتفتخر بذلك رجالهم". ثم إنهم مع قلتهم وفاقتهم وبؤس حالهم، يفتخرون بأنفسهم، ويتطاولون على غيرهم وينزلون أنفسهم فوق مراتب الناس. "حتى لقد حاولوا أن يكونوا ملوكاّ أجمعين"، وأبوا الإنقياد لرجل واحد منهم يسوسهم ويجمعهم.
إذا عاهدوا فغير وافين. سلاحهم كلامهم، به يتفننون، وبكلامهم يتلاعبون. ليس لهم ميل إلى صنعة أو عمل ولا فن، لا صبر لهم، إذا حاربوا ووجدوا قوة أمامهم، حاولوا جهدهم التغلب عليها، أما إذا وجسوها قوة منظمة هربوا مشتتين متبعثرين شراذم، يخضعون الغريب ويهابونه ويأخذون برأيه فيهم، ما دام قوياً، ويقبلون بمن ينصبه عليهم، ولا يقبلون بحكم واحد منهم، إذا أراد أن يفرض سلطانه عليهم.
وقد ذُكر أن أحد ملوك الهند كتب كتاباً إلى "عمر ين عبد العزيز"، جاء فيه "لم تزل الأمم كلها من الأعاجم في كلّ شق من الأرض لها ملوك تجمعها ومدائن تضمها وأحكام تدين بها وفلسفة تنتجها وبدائع تفتقها في الأدوات والصناعات، مثل صنعة الديباج وهي أبدع صنعة، ولعب الشطرنج وهي أشرف لعبة، ورمّانة القباّن التي يوزن بها رطل واحد ومائة رطل، ومثل فلسفة الروم في ذات الخلق والقانون والاصطرلاب الذي يعدل به النجوم ويدرك به الأبعاد ودوران الأفلاك وعلم الكسوف وغير ذلك من الآثار المتقنة، ولم يكن للعرب ملك يجمع سوادها ويضم قواصيها، ويقمع ظلمها وينهى سفيهها، ولا كان لها قط نتيجة في صناعة و لا أثر في فلسفة إلا ما كان من الشعر. و قد شاركتها في العجم، وذلك إن للروم أشعارا عجيبة قائمة الوزن و العروض فما الذي تفتخر به العرب على العجم فإنما هي كالذئاب العادية، و الوحوش النافرة، يأكل بعضها يعضا و يغير بعضها على بعض. فرجالها موثوقون في حَلَق الأسر. و نساؤها سبايا مردفات على حقائب الإبل، فإذا أدركهن الصريخ أتستنقذن بالعشي، و قد وطئن كما توطأ الطريق المهيع". إلى آخر ذلك من كلام.
وقد تعرض "السيد محمود شكري الألوسي" في كتابه "بلوغ الأرب"، لهذا الموضوع، فجاء بما اقتبسه منه، ثم جاء برأي "أبن قتيبة" على الشعوبية، في كتابه: "كتاب تفضيل العرب"، ُم أنهاه ببيان رأيه في هذه الآراء و في رد "أبن قتيبة" عليها.
ولابن خلدون رأي معروف في العرب، خلاصته "إن العربي متوحش نهّاب سلاّب إذا أخضع مملكة أسرع أليها الخراب، يصعب انقياده لرئيس، لا يجيد صناعة ولا يحسن علماً ولا عنده استعداد للإجادة فيهما، سليم الطباع، مستعد للخير شجاع". وتجد آراءه هذه مدوّنة في مقدمته الشهيرة لكتابه العام في التاًريخ.
وقد رمى بعض المستشرقين العرب بالمادية وبصفات أخرى، فقال "أوليري": " إن العربي الذي يعد مثلاً أو نموذجاً، ماديّ، ينظر إلى الأشياء نظرة مادية وضيعة، ولا يقومها إلا بحسب ما تنتج من نفع، يتملك الطمع مشاعره، وليس لديه مجال للخيال ولا للعواطف، لا يميل كثيراً إلى دين، ولا يكترث بشيء إلا بقدر ما ينتجه من فائدة عملية، يملؤه الشعور بكرامته الشخصية حتى ليثور على كل شكل من أشكال السلطة، وحتى ليتوقع منه سيد قبيلته و قائده في الحروب الحسد والبغض والخيانة من أول يوم اختير للسيادة عليه ولو كان صديقاً حميم له من قبل، من. أحسن أليه كان موضع نقمته، لأن الإحسان يثير فيه شعوراً بالخضوع وضعف المنزلة وأن عليه واجباً لمن أحسن. يقول لامانس "إن العربي نموذج الديمقراطية"، ولكنها ديمقراطية مبالغ فيها إلى حد بعيد، وإن ثورته على كل سلطة تحاول أن تحدد من حريته ولو كانت في مصلحته هي السر الذي يفسر لنا سلسلة الجرائم والخيانات التي شغلت أكبر جزء في تأريخ العرب، وجهل هذا السر هو الذي قاد الأوروبيين في أيامنا هذه إلى كثير من الأخطاء، وحملهم كثيراً من الضحايا كان يمكنهم الاستغناء عنها، وصعوبة قيادة العرب وعدم خضوعهم للسلطة هي التي تحول بينهم وبين سيرهم في سبيل الحضارة الغربية، ويبلغ حب العربي لحريته مبلغاً كبيراً، حتى إذا حاولت ان تحدها أو تنقص من أطرافها هاج كأنه وحش في قفص، وثار ثورة جنونية لتحطيم أغلاله والعودة إلى حريته. ولكن العربي من ناحية أخرى مخلص، مطيع لتقاليد قبيلته، كريم يؤدي واجبات الضيافة والمحالفة في الحروب كما يؤدي واجبات الصداقة مخلصاً في أدائها بحسب ما رسمه العرف... وعلى العموم، فالذي يظهر لي أن هذه الصفات والخصائص أقرب أن تعد صفات وخصائص لهذا الطور من النشوء الاجتماعي عامة من أن تعد صفات خاصة لشعب معين، حتى إذا قر العرب وعاشوا عيشة زرعية مثلاً، تعدلت هذه العقلية". ويوافق المستشرق "براون أولري" في رمي العرب بالمادية المفرطة. ورماهم "أوليري" أيضا بضعف الخيال وجمود العواطف.
أما "دوزي" فقد رأى أن بين العرب اختلافاً في العقلية وفي النفسية، وأن القحطانيين يختلفون في النفسية عن نفسية العدنانيين.
وقد تعرض "أحمد أمين" في الجزء الأول من "فجر الاسلام" للعقلية العربية، وأورد رأي الشعوبيين في العرب، ثم رأي "ابن خلدون" فيهم، وتكلم على وصف المستشرق "أوليري" لتلك العقلية، ثم ناقش تلك الآراء، وأبان رأيه فيها وذلك في الفصل الثالث من هذا الجزء، وتحدث في الفصل الرابع عن "الحياة العقلية للعرب في الجاهلية". وخصص الفصل الخامس ب "مظاهر الحياة العقلية"، وتتجلى عنده في: اللغة والشعر والمثل والقصص. أوجز "أحمد أمن" في بداية الفصل الثالث آراء المذكورين في العرب،وبعد أن انتهى من عرضها وتلخيصها ناقشها بقوله: "لسنا نعتقد تقديس العرب، ولا نعباً بمثل هذا النوع من القول الذي يمجدهم ويصفهم بكل كمال، وينزههم عن كل نقص، لأن هذا النمط من القول ليس نمط البحث العلمي، إنما نعتقد أن العرب شعب ككل الشعوب، له ميزاته وفيه عيوبه، وهو خاضع لكل نقد علمي في عقليته ونفسيته وآدابه وتاريخه ككلأمة أخرى، فالقول الذي يمثله الرأي الخاص لا يستحق مناقشة ولا. جدلاّ،كذلك يخطىء الشعوبية أصحاب القول الأول الذين كانوا يتطلبون من العرب فلسفة كفلسفة اليونان، وقانوناً كقانون للرومان، أو أن يمهروا في الصناعات كصناعة الديباج، أو في المخترعات كالاصطرلاب، فإنه إن كان يقارن هذه الأمم بالعرب في جاهليتها كانت مقارنة خطا، لأن المقارنة إنما تصح بين أمم في طور واحد من الحصارة، لا بين أمة متبدية وأخرى متحضرة، ومثل هذه المقارنة كمقارنة بين عقل في طفولته وعقل في كهولته، كل أمة من هذه الأمم كالفرس والروم مرت بدور بداوة لم يكن لها فيه فلسفة ولا مخترعات. أما إن كان يقارن العرب بعد حضارتها، فقد كان لها قانون وكان لها علم وان كان قليلاً.." ثم استمر يناقش تلك الآراء إلى أن قال: فلنقتصر ألان على وصف العربي الجاهلي، فوصفه بهذا الوصف: "العربي عصبي المزاج، سريع الغضب، يهيج للشيء التافه، ثم لا يقف في هياجه عند حد، وهو أشد هياجاً إذا جرحت كرامته، أو انتهكت حرمة قبيلته. وإذا اهتاج، أسرع إلى السيف، واحكم أليه، حتى أفنتهم الحروب، وحتى صارت الحرب نظامهم المألوف وحياتهم اليومية المعتادة." "والمزاج العصبي يستتبع عادة ذكاء، وفي الحق أن العربي ذكي، يظهر ذكاؤه في لغته، فكثيراً ما يعتمد على اللمحة الدالة والإشارة البعيدة، كما يظهر في حضور بديهته، فما هو إلا أن يفُجأ بالأمر فيفجؤك بحسن الجواب، ولكن ليس ذكاؤه من النوع الخالق المبتكر، فهو يقلب المعنى الواحد على أشكال متعددة، فيبهرك تفننه في القول أكثر مما يبهرك ابتكاره للمعنى، وان شئت فقل إن لسانه أمهر من عقله.
"خياله محسود وغير متنوع، فقلما يرسم له خياله عيشة خيراً من عيشته، وحياة خيراً من حياته يسعى وراءها، لذلك لم يعرف "المثل الأعلى"، لأنه وليد الخيال، ولم يضع له في لغته لفظة واحدة دالة عليه، ولم يشر أليه فما نعرف من قوله،وقلما يسبح خياله الشعري في عالم جديد يستقي منه معنى جديداً ولكنه في دائرته الضيقة استطاعَ أن يذهب كل مذهب." "أما ناحيتهم الخلقية، فميل إلى حرية قلّ أن يحدّها حدّ، ولكن الذي فهموه من الحرية هي الحرية الشخصية لا الإجتماجمة، فهم لا يدينون بالطاعة لرئيس ولا حاكم، تأريخهم في الجاهلية - حتى وفي الإسلام - سلسلة حروب داخلية" وعهد عمر بن الخطاب كان عصرهم الذهبي، لأنه شغلهم عن حروبهم الداخلية بحروب خارجية، ولأنه، رضي الله عنه، منح فهماً عميقاً ممتازاً لنفسية العرب.
"والعربي سب المساواة، ولكنها مساواة في حدود القبيلة، وهو مع حبه للمساواة كبير الاعتداد بقبيلته ثم بجنسه، يشعر في أعماق نفسه بأنه من دم ممتاز، لم يؤمن بعظمة الفرس والروم مع ما له ولهم من جدب وخصب وفقر وغنى وبداوة وحضارة، حتى إذا فتح بلادهم نظر إليهم نظرة السيد إلى المسود".
ثم خلص إلى أن العرب في جاهليتهم كان أكثرهم بدواً، وان طور البداوة طور اجتماعي طبيعي تمر به الأمم في أثناء سيرها إلى الحضارة، وان لهذا الطور مظاهر عقلية طبيعية، تتجلى في ضعف التعليل، وعنى بذلك عدم القدرة على فهم الارتباط بين العلة والمعلول والسبب والمسبب فهماً تاماً، "يمرض أحدهم ويألم من مرضه، فيصفون له علاجاً، فيفهم نوعاً ما من الارتباط بين الدواء والداء، ولكن لا يفهمه فهم العقل الدقيق الذي يتفلسف، يفهم إن عادة القبيلة أن تتناول هذا الدواء عند هذا الداء، وهذا كل شيء في نظره، لهذا لا يرى عقله باًساً من أن يعتقد إن دم الرئيس يشفي من الكَلَب، أو ان سبب المرض روح شرير حل فيه فيداويه بما يطرد هذه الأرواح، أو انه إذا خيف على الرجل الجنون نجسوه بتعليق الأقذار وعظام الموتى إلى كثير من أمثال ذلك، ولا يستنكر شيئاً من ذلك ما دامت القبيلة تفعله، لأن منشأ الإستنكار دقة النظر والقدرة على بحث المرض و أسبابه وعوارضه، وما يزيل هذه العوارض،وهذه درجة لا يصل أليها العقل في طوره الأول".
ثم أورد أمثلة للاستدلال بها على ضعف التعليل، مثل قولهم بخراب سدّ مأرب بسبب جرذان حُمْر، و مثل قصة قتل النعمان لسِنمّار بسبب آجُرّة و ضعها سِنِمار في أساس قصر الخورنق، لو زالت سقط القصر.
ثم تحدث عن مظهر عن آخر من مظاهر العربية، لاحظه بعض المستشرقين و وافقهم هو عليه، هو: إن طبيعة العقل العربي لا تنظر إلى الاشياء نظرة عامة شاملة، وليس في استطاعتها ذلك. فالعربي لم ينظر إلى العلم نظرة عامة شاملة كما فعل اليوناني، كان يطوف فيما حوله؛ فإذا رأى منظرا خاصا أعجبه تحرك له، و جاس بالبيت أو الأبيات من الشعر أو الحكمة أو المثل. "فأما نظرة شاملة وتحليل دقيق لأسسه وعوارضه فذلك ما لا يتفق والعقل العربي. وفوق هذا هو إذا نظر إلى الشيء الواحد لا يستغرقه بفكره، بل يقف فيه على مواطن خاصة تستثير عجبه، فهو إذا وقف أمام شجرة، لا ينظر إليها ككل، إنما يستوقف نظره شيء خاص فيها، كاستواء ساقها أو جمال أغصانها، و إذا كان أمام بستان، لا يحيطه بنظره، ولا يلتقطه ذهنه كما تلتقطه "الفوتوغرافيا"، إنما يكون كالنحلة، يطير من زهرة إلى زهرة، فيرتشف من كل رشفة". إلى أن قال: "هذه الخاصة في العقل العربي هي السر الذي يكشف ما ترى في أدب العرب - حتى في العصور الإسلامية - من نقص وما ترى فيه من جمال".
وقد خلص من بحثه، إلى أن هذا النوع من النظر الذي نجده عند العربي، هو طور طبيعي تمر به الأمم جميعاً في أثناء سيرها إلى الكمال، نشاً من البيئات الطبيعية والاجتماعية التي عاش فيها العرب، وهو ليس إلا وراثة لنتائج هذه البيئات، "ولو كانت هنالك أية أمة أخرى في مثل بيئتهم، لكان لها مثل عقليتهم، و أكبر دليل على ذلك ما يقرره الباحثون من الشبه القوي في الأخلاق والعقليات بين الأمم التي تعيش في بيئات متشابهة أو متقاربة، وإذ كان العرب سكان صحارى، كان لهم شبه كبير بسكان الصحارى في البقاع الأخرى من حيث العقل والخلق".
أما العوامل التي عملت في تكوين العقلية العربية وفي تكييفها بالشكل الذي ذكره، فهي عاملان قويان. هما: البيئة الطبيعية، وعنى بها ما يحيط بالشعب طبيعيا من جبال وانهار وصحراء وغير ذلك، والبيئة الاجتماعية، وأراد بها ما يحيط بالأمة من نظم اجتماعية كنظام حكومة ودين وأسرة ونحو ذلك. وليس أحد العاملين وحده هو المؤثر في العقلية.
وحصر أحمد امين مظاهر الحياة العقلية في الجاهلية في الأمور التالية: اللغة والشعر والأمثال والقصص. وتكلم على كل مظهر من هذه المظاهر وجاء بأمثلة استدل بها ما ذهب إليه.
والحدود التي وضعها أحمد أمين للعقلية العربية الجاهلية، هي حدود عامة، جعلها تنطبق على عقلية أهل الوبر وعقلية أهل المدر، لم يفرق فيها بين عقلية من عقلية الجماعتين. وقد كونها ورسمها من دراساته لما ورد في المؤلفات الإسلامية من أمور لها صلة بالحياة العقلية ومن مطالعاته لما أورده "أوليري" "وبراون" وأمثالهما عن العقلية العربية، ومن آرائه وملاحظاته لمشكلات العالم العربي ولوضع العرب في الزمن الحاضر. والحدود المذكورة هي صورة متقاربة مع الصورة التي يرسمها العلماء المشتغلون بالسامية عادة عن العقلية السامية، وهي مثلها أيضا مستمدة من آراء وملاحظات وأوصاف عامة شاملة، ولم تستند إلى بحوث علمية ودراسات مختبرية، لذا فأنني لا أستطيع أن أقول أكر مما قلته بالنسبة إلى تحديد العقلية الساميّة، من وجوب التريث والاستمرار في البحث ومن ضرورة تجنب التعميم والاستعجال في إعطاء الأحكام.
وتقوم نظرية أحمد أمين في العقلية العربية على أساس إنها حاصل شيئين وخلاصة عاملين، أثرا مجتمعين في العرب وكوّنا فيهما هذه العقلية التي حددها ورسم معالمها في النعوت المذكورة. والعاملان في رأيه هما: البيئة الطبيعية والبيئة الاجتماعية. وعنى بالبيئة الطبيعية ما يحيط بالشعب طبيعياً من جبال وأنهار وصحراء ونحو ذلك، وبالبيئة الاجتماعية ما يحيط بالأمة من نظم اجتماعية كنظام حكومة ودين وأسرة ونحو ذلك. وهما معاً مجتمعين غير منفصلين، أثّرا في تلك العقلية. ولهذا رفض أن تكون تلك العقلية حاصل البيئة الطبيعية وحدها، أو حاصل البيئة الاجتماعية وحدها. وخطاً من أنكر أثر البيئة الطبيعية في تكوين العقلية ومن هنا انتقد "هيكل" "Heagel"، لأنه أنكر ما للبيئة الطبيعية من أثر في تكوين العقلي اليوناني، وحجة "هيكل" أنه لو كان للبيئة الطبيعية أثر في تكوين العقليات، لبان ذلك في عقلية الأتراكالذين احتلوا أرض اليونان وعاشوا في بلادهم، ولكنهم لم يكتسبوا مع ذلك عقلهم ولم تكن لهم قابلياتهم ولا ثقافتهم. وردّ "أحمد أمين" عليه هو أن "ذلك يكون صحيحاً لو كانت البيئة الطبيعية هي المؤثر الوحيد، إذن لكان مثل العقل اليوناني يوجد حيث يوجد إقليمه، و ينعدم حيث ينعدم، أما والعقل اليوناني نتيجة عاملين، فوجود جزء العلة لا يستلزم وجود المعلول".
وأثر البيئة الطبيعية في العرب، أنها جعلت بلادهم بقعة صحراوية تصهرها الشمس، ويقل فيها الماء، ويجف الهواء، وهي أمور لم تسمح للنبات أن يكثر، ولا للمزروعات أن تنمو، آلا كَلأً مبعثراً هنا وهناك، وأنواعاً من الأشجار والنبات مفرقة استطاعت أن تتحمل الصيف القائظ، والجوّ الجاف، فهزلت حيواناتهم، وتحلت أجسامهم، وهي كذلك أضعفت فيها حركة المرور، فلم يستطع السير فيها إلا الجمل، فصعب على المدنيات المجاورة من فرس وروم أن تستعمر الجزيرة، وتفيض عليها من ثقافتها، اللهم إلا ما تسرب منها في مجار ضيقة معوجة عن طرق مختلفة".
وأثر آخر كان لهذه البيئة الطبيعية في العرب، هو أنها أثرت في النفوس فجعلتها تشعر أنها وحدها تجاه طبيعة قاسية، تقابلها وجهاً لوجه، لا حول لها ولا قوة، لا مزوعات واسعة ولا أشجار باسقة، تطلع الشمس فلا ظل لها، ويطلع القمر والنجوم فلا حائل، تبعث الشمس أشعتها المحرقة القاسية فتصيب أعماق نخاعه، ويسطع القمر فيرسل أشعته الفضية الوادعة فتبر لبّه، وتتألق النجوم في السماء فتمتلك عليه نفسه، وتعطف الرياح العاتية فتدمر كل ما أتت عليه. أمام هذه الطبيعة القوية، والطبيعة الجميلة، والطبيعة القاسية، تهرع النفوس الحساسة إلى رحمن رحيم، والى بارئ مصور والى حفيظ مغيث- إلى الله-. ولعل هذا هو السر في الديانات الثلاث التي يدين بها أكثر العالم، وهي اليهوديه والنصرانية والإسلام نبعث من صحراء سيناء وفلسطين وصحراء العرب.
والبيئة الطبيعية أيضاً، هي التي أثرت-على رأيه-في طبع العربي فجعلته كثيباُ صارماً يغلب عليه الوجد، موسيقاه ذات نغمة واحدة متكررة عابسة حزينة، ولغته غنية بالألفاظ، إذا كانت تلك الألفاظ من ضروريات الحياة في المعيشة البدوية، وشعره ذو حدود معينة مرسومة، وقوانيه تقاليد القبيلة وعرف الناس، وهي التي جعلته كريماً على فقره، يبذل نفسه في سبيل الدفاع عن حمى قبيلته. كل هذه وأمثالها من صفات ذكرها وشرحها هي في رأيه من خلق هذه البيئة الطبيعية التي جعلت لجزيرة العرب وضعاً خاصاً ومن أهلها جماعة امتازت عن بقية الناس بالمميزات المذكورة.
وقد استمر "أحمد أمين"، في شرح أثر البيئة الطبيعية في عقلية العرب وفي مظاهر تلك العقلية التي حصرها كما ذكرت في اللغة والشعر والأمثال والقصص، حتى انتهى من الفصول التي خصصها في تلك العقلية، أما أثر البيئة الاجتماعية التي هي في نظره شريكة للبيئة الطبيعية في عملها وفعلها في العقلية الجاهلية وفي كل عقلية من العقليات، فلم يتحدث عنه ولم يشر إلى فعله، ولم يتكلم على أنواع تلك البيئة ومقوماتها التي ذكرها في أثناء تعريفه لها، وهي: "ما يحيط بالأمة من نظم اجتماعية كنظام حكومة ودين وأسرة ونحو ذلك"، ثم خلص من بحثه عن العقلية العربية وعن مظاهرها وكأنه نسي ما نسبه إلى العامل الثاني من فعل، بل الذي رأيته وفهمته من خلال ما كتبه انه أرجع ما يجب إرجاعه إلى عامل البيئة الاجتماعية - على حد قوله - إلى فعل عامل البيئة الطبيعية وأثرها في عقلية العرب الجاهليين. وهكذا صارت البيئة الطبيعية هي العامل الأول الفعال في تكوين تلك العقلية، وحرمنا بذلك من الوقوف على أمثلته لتأثر عامل البيئة الاجتماعية في تكوين عقلية الجاهليين.
وأعتقد إن "أحمد أمين" لو كان قد وقف على ما كتب في الألمانية أو الفرنسية أو الإنكليزية عن تأريخ اليمن القديم المستمد من المسند، ولو كان قد وقف على ترجمات كتابات المسند أو الكتابات الثمودية والصفوية واللحيانية، لما كان قد أهمل الإشارة إلى أصحاب تلك الكتابات، ولعدٌل حتماً في حدود تعريفه للعقلية العربية، ولأفرز صفحة أو أكثر إلى أثر طبيعة أرض اليمن وحضرموت في عقلية أهل اليمن وفي تكوين حضارتهم وثقافتهم، فإن فيما ذكره في فصوله عن العقلية العربية الجاهلية ما بحب رفعه وحذفه بالنسبة إلى أهل اليمن وأعالي الحجاز.
ونجد في كتاب "جزيرة العرب في القرن العشرين" لحافظ وهبة" فصلا بعنوان "السكان"، وردت فيه ملاحظات كيسة عن عقلية الحضر وعقلية البدو في المملكة العربية السعودية وفي بعض المناطق المجاورة لها في الزمان الحاضر. وهذه الملاحظات وان كانت تتعلق بعرب هذا اليوم، إلا أنها مع ذلك ذات فائدة ومنفعة لفهم العقلية الجاهلية، فالزمان وان تباعد بين عرب الجاهلية وعرب القرن العشرين،إلا إن الخصائص العقلية لأكثر أهل البادية المنعزلين عن عالمهم الخارجي لا تزال هي هي، لم تتغير في كثير من الأمور، بل خذ من نسميهم "الحضر" أو العرب المستقرين في جزيرة العرب، فإن البعيدين منهم عن الأماكن التي لها اتصال بالعالم الخارجي وبالأجانب لا يزالون يحتفظون بكثير من خصائص عقلية حضر اليمن أو الحجاز عند ظهور الإسلام. ومن هنا تفيدنا ملاحظات "حافظ وهبة" هذه وملاحظات غيره من أذكياء العرب والسياح والخبراء الأجانب" فائدة كبيرة في التعرف على أسس تفكير العرب قبل الإسلام.
وفي حديث "حافط وهبة" عن طباع الحضر أشار إلى اختلاف طباعهم باختلاف أماكنهم، فقال: " والحضر تختلف طباعهم باختلاف المناطق التي يعيشون فيها، وظروف الحياة التي تحيط بهم فأهل حايل أقرب مظهراً إلى البداوة. وأهل مكة والمدينة واليمن العالية أبعد مظهراً عن البداوة من البلاد الأخرى العربية، وأهل القصيم ألين عريكة من أهل العارض، لأنهم كثرو الاختلاط والتعامل مع البلاد الأخرى كالشام وفلسطين ومصر، ولذا فترى موظفي ديوان الملك المكلفين بالمقابلات والتشريفات من أهل القصيم أو حايل.
وأهل الرياض أرقى بكثير من أهل الدواسر الذين لم يفارقوا بلادهم، ولم يرفوا شيئا عن أحوال العالم الخارجي.
وأشار إلى تنافس الحضر وإلى تفاخرهم وتفضيل أنفسهم بعضهم على بعض في الشمائل والعادات وحتى في اللهجات.
ومن طباع الحضري، كما يقول "حافظ وهبة" "الخلق التجاري"، وهم يتباينون فىِ ذلك أيضا بتباين أماكنهم، "فأهل القصيم والزلفى وشقرا، أنشط من أهل نجد في التجارة. فقوافلهم تقصد سائر الجهات العربية، وتجارهم كثيراً ما يسافرون إلى الهند ومصر في سبيل التجارة، والتجار النجديون المعروفون في الهند ومصر والعراق من أهل هذه البلاد" 0 "أما أهل الكويت، فنشاطهم في التجارة البحرية... ويغلب على حضر الجزيرة - وعلى الأخص أهل خليج فارس - التعاون التجاري سواء بين الأهالي بعضهم مع بعض أو بين الأمراء والأهالي".
أما طباع البداوة،وهي طباع تختلف عن طباع أهل المدن فقد وصفها بقوله: "أما البدو، فهم القبائل الرحل المتنقلون من جهة إلى أخرى طلباً للمرعى أو للماء، والطبيعة هي التي تجبر البدوي على المحافظة على هذه الحياة، وحياة البدوي حياة شاقة مضنية، ولكنه وهو متمتع بأكبر قسط من الحرية يفضلها على أيَ حياة مدنية أخرى. هذه الحياة الخشنة هي التي جعلت القبائل يتقاتلون في سبيل المرعى والماء، وهي التي جعلت سوء الظن يغلب على طباعهم، فالبدوي ينظر إلى غيره نظرة العدو الذي يحاول أخذ ما بيده أو حرمانه من المرعى." "إن البدوي في الصحراء لا يهمه إلا المطر والمرعى، فأزمته الحقيقية انحباس المطر وقلة المرعى ولا يبالي بما يصيب العالم في الخارج ما دامت أرضه مخضرة، وبعيره سمينا وغنمه قد اكتنزت لحماً وقد طبقت شحماً." "أما إذا نما السكان وضاقت بهم الأرض أو لم تجد أراضيهم بالمرعى، فليس هناك سبيل إلا الزحف والقتال، أو الهجرة إن كان هناك سبيل أليها، وكذلك القبيلة التي غلبت على أمرها وحرمت من مراعيها وأراضيها ليس أمامها سبيل آخر سوى الهجرة.
"لقد كان البدو قبل ثلاثين سنة في غارات وحروب مستمرة، كل قبيلة تنتهز الفرص للإغارة على جارتها لنهب مالها، وتعدد ألامارات وتشاحن الأمراء وتخاصمهم مما يشجع البدوي.
[COLOR=#000000]"[FONT=Arabic Transparent]ولهذا كان للقبيلة في قيمتها في بلاد العرب، فالإنسان يقوى بأبنائه وأبناء عمومته الأقربين والأبعدين، وإذا كانت العصبية ضعيفة أمكن تقوية القبيلة بالتحالف مع سواها حتى يقوى الفريقان ويأمنا شر غيرهما من القبائل القوية." "وقد جرى العرف أن القبائل تعتبر الأرض التي اعتادت رعيها، و المياه التي اعتادت أن تردها ملكاً لها، لا تسمح لغيرها من القبائل الأخرى بالدنوّ منها إلا بإذنها ورضاها، وكثيرا ما تأنس إحدى القبائل من نفسها القوة فتهجم بلا سابق إنذار على قبيلة أخرى و تنتزع منها مراعيها و مياهها." "إن قبائل العرب ليسوا كلهم سواء في الشر و التعدي على السابلة و القوافل، فبعضها قد اشتهر أمره بالكرم و السماحة و الترفع عن الدنايا، كما اشتهر بعضها بالتعدي و سفك الدماء بلا سبب سوى الطمع فيما في ايدي الناس." ليس للبدوي قيمة حربية تذكر، و لذا كان اعتماد الامراء على الحضر، فهم الذين يصمدون للقتال و يصبرون على بلائه و بلوائه. و كثيرا ما كان البدو شرا على الأمير المصاحبين له، فإن ذلك الأمير إذا ما بدت الهزيمة كانوا هم البادئين بالنهب و السلب و يحتجون بأنهم هم أولى من الأعداء المحاربين" "البدوي إذا لم يجد سلطة تردعه أو تضرب على يده يرى من حقه نهب الغادي و الرائح، فالحق عنده القوة التي يخضع لها، و يخضع غيره بها. على أن بهؤلاء قواعد للبادية معتبرة عندهم كقوانين يجب احترامها، فالقوافل التي تمر بأرض قبيلة و ليس معها من يحميها من أفراد هذه القبيلة معرضة للنهب، ولذا فقد اعتادت القوافل قديما إن يصحبها عدد غير قليل من القبائل ال







 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التوقيع :


كـــــــــــــــــــــــــــنعان
آخر تعديل ابو رامى2 يوم 30 / 06 / 2013 في 01:58 AM.
رد مع اقتباس

 

قديم 05 / 07 / 2011, 07:12 AM   رقم المشاركة : 5
المعلم كنعان
عضو فعٌال
 
الصورة الرمزية المعلم كنعان

 

         

المعلم كنعان غير متصل

تاريخ الإنتساب :  16 / 03 / 2011
رقم العضوية : 19947
عدد المشاركات : 106
الإقامة : egypt
الجنـس: ذكر
WhatsApp:
         
خاطرة: منتديات أحجار بيتي الثاني
 



الفصل الحادي عشر

[frame="9 98"][B][SIZE="4"]الفصل الحادي عشر
أنساب العرب

[RIGHT]للنسب عند العرب شأن كبير، ولا يزال العربي يقيم له وزناً، ولا سيما عربي للبادية. فعلى نسب المرء في البادية تقوم حقوق الإنسان، بل حياته في الغالب. فنسب الإنسان، هو الذي يحميه، وهو الذي يحافظ علما حقوقه ويردع الظالم عنه ويأخذ حق المظلوم منه.
وقد يبدو ذلك للمدني الأعجمي أمراً غريباً شاذاً غير مألوف. ولكن هذا المدني نفسه يعمل بالنسب ويأخذ به، وإن كان في حدود ضيقة، فجنسيته هي نسبه، تحميه وتحفظ حقوقه. وليس نسب الأعرابي غير هذه الجنسية، يحتمي به، لأنه يصونه ويحفظ حقوقه ويدافع عنه. وهو مضطر إلى حفظه، وإلى عدّ آبائه وأجداده وذكر عشيرته وقبيلته، لأنه بذلك يسلم، ويحافظ على حياته. فإن أراد شخص الاعتداء عليه، عرف إن وراءه قوماً، يدافعون عنه ويأخذون حقه من المعتدى عليه. وهو لذلك مضطر إلى حفظ نسبه والمحافظة عليه.
وأما كون الحضر أقل عناية بأنسابهم من أهل الوبر، فلأن الحاجة إلى النسب عندهم أقل من حاجة أهل الوبر إليها. فالأمن مستقر، ولدى الحضر في الغالب حكومات تأخذ في المعتدى عليهم من المعتدين. ثم إن مجال الاختلاط والامتزاج عندهم أكثر وأوسع من أهل البوادي وسكان الأرياف، وكلما كانت الحواضر قريبة من السواحل ومن بلاد الأعاجم، كان الاختلاط أوسع وأكثر، ولهذا ضعفت فيها وشائج الدم والنسب، وكثر فيها التزاوج والتصاهر بين العرب والعجم، فصعب على الناس فيها المحافظة على أنسابهم، وقلت الفائدة من النسب عندهم. ولهذا لم يعتنوا به عناية الأعراب بالأنساب.
فالانتماء إلى عشيرة أو في قبيلة أو حلف، هو حماية للمرء، وجنسية في عرف هذا اليوم. ولهذا صار إخلاص الأعرابي لقبيلته أمراً لازماً له محتماً عيله، وعليه أن يدافع عن قبيلته دفاع الحضري عن وطنه.فالقبيلة هي قومية الأعرابي، وحياته منوطة بحياة تلك القبيلة. ولهذا كانت قومية أهل الوبر قومية ضيقة، لا تتعدى حدودها حدود القبيلة وحدود مصالحها وما يتفق أهل الحل و العقد فيها عليه. ومن هنا صارت القبائل كُتلاً سياسية، كل كتلة وحدة مستقلة، لا تربط بينها إلاّ روابط المصلحة والفائدة والقوة والضعف والنسب.
والعادة انتساب كل قبيلة إلى جدّ تنتمي إليه، وتدعي إنها من صلبه، وان دماءه تجري في عروق القبيلة، وتتباهى به و تفاخر، فهو بطلها ورمزها، وعلامتها الفارقة التي تميزها عن القبائل الأخرى. وليس ذلك بدعاً في العرب، بل إنّا لنجد الأمم والشعوب الأخرى تنتمي إلى أجداد وآباء. ف "هيلين" "Hellen"، هو جدّ أهل "دورس" "Dorus"، ومنه أخذ "الهيليون" اسمهم هذا. وكان للرومان وللفرس وللهنود وللأوروبيين أجداد انتموا إليهم واحتموا بهم وتعصبوا لهم ونسبوا أنفسهم إليهم على نحو ما نجده عند العرب والإسرائيليين وبقية الساميين.
وفي التوراة ولا سيما "أسفار التكوين" منه، أبرز أمثلة على النسب، نجد فيها أنساب الأنبياء والشعوب، وأنساب بني إسرائيل. يسبق النسب في العادة جملة: "وهذه مواليد" "وإله تولدت"، ثم يرد بعدها النسب. أي أسماء من يراد ذكر نسبهم. قد يذكر نسب الأب والزوجة والولد، وقد لا تذكر الزوجة، بل يكتفي بالأب وبأولاده. وقد لا يذكر الولد. والذي يقرأ هذه الأسماء يقرأها وكأنها أسماء أشخاص حقاً. ولكننا إذا قرأناها قراءة نقد، نرى أن بعضها أسماء مواضع ومواقع، أو أسماء قبائل، وعشائر أو أسماء طواطم، أي أسماء حيواناتّ سمت بها القبائل، مثل "ذئب" و "كلب" و "أسد" و "ضبة" وأمثال ذلك، وكلها كناية عن قائل وشعوب عاشت قبل الشروع في تدوين هذه الأنساب أو في أيام التدوين.
ويظهر من كيفية عرض هذه الأنساب وجمعها وتبويبها أن في العبرانيين جماعة من النسابين اختصت بجمع الأنساب وحفظها، ومنهم من كان يعتني بجمع أنساب الغرباء عن بتن إسرائيل، وربما كان كتبة الأسفار من هؤلاء. فلما شرع كتبة أسفار التكوين بقصة الخلق وبكيفية، وزع شعوب العالم وظهور الإنسان على سطح الأرض، كان لابد من ذكر الشعوب وأنسابها على أسلوب كتابة التأريخ في ذلك العهد، فاستعين بما نجمع عند نسابي العبرانيين من علم بالنسب، وأدرج في هذه الأسفار.
وقد وردت في التوراة في أسفار التكوين وفي "أخبار الأيام الأولى" أسماء قبائل عربية، رجعتها إلى مجموعات، مثل مجوعة "يقطن" "يقطان"، ومجموعة الإشماعليين، أي الإسماعيلين، نسل إسماعيل،غير إنها لم تشر كعادتها بالنسبة إلى كل أنساب البشر إلى المورد الذي أخذت منة تلك الأنساب. لذلك لا ندري إذا كانت التوراة قد اقتبست ما ذكرته عن أساب الأمم من الأمم التي تحدثت عن نسها، بأن أوردت تلك الأنساب على نحو ما كان شائعاً متعارفا عند الأمم المذكورة بالنسبة لنسبها، أو أنها روتها على حسب ما كان متعارفاً عند قدماء العبرانيين في أجداد البشر وفي أنسابهم، فدوّنتها على هذا النحو الشائع بين العبرانيين اذ ذاك.
أما النصوص الجاهلية، فإنها لم تتحدث، وياللاسف، عن مجموعات قبائل على النحو المتعارف عليه عند علماء النسب. ولكنها جاءت بأسماء قبائل عديدة كثيرة، لم يعرف من أمرها أهل الأخبار والنسب شيئاً. فنحن نقف على أسمائها لأول مرة،.بفضل تلك الكتابات.
وقد أفادتنا الكتابات الجاهلية فائدة كبيرة من ناحية دراسة أسماء القبائل الواردة في كتب النسب والموارد الإسلامية الأخرى، إذ مكنتنا من الوقوف على الصلات بينها، وعلى معرفة ما سمي منها بالأب أو الابن أم الأم، كما عرفتنا على مواطن عديدة من مواطن الخطأ التي وقع فيها النسابون وأصحاب الأخبار، وعلى كثير من الوضع الذي، وضع في النسب أو في القصص المروي عن القبائل جهلاً أو عمداً أو ظهوراً بمظهر العلم والإحاطة بأنساب الرب وأخبارهم، الجاهلين منهم والإسلاميين.
ولم أجد في الشعر الجاهلي هذه القحطانية والعدنانية التي يراها أهل النسب والأخبار، وأقصى ما وجدته فيه قصيدة للأخنس بن شهاب بن شريق التغلبي حوت أسماء قبائل وأسماء مواطنها ومواضعها، هي: "معد" و "لكيز" و "بكر" و "تميم" و "كلب" و "غسان" و "بهراء" و "إباد" و "لخم". وهي قبائل بعضها عدنانية وبعضها قحطانية في اصطلاح أهل النسب، إلا أنني لم أجد فيها أسماء آباء هذه القبائل ولا أجدادها، ولم أستطع أن أفهم منها أن هذه القبيلة، هي قبيلة عدنانية، وأن تلك قبيلة قحطانية، فقد جاءت الأسماء متداخلة وكل ما وجدته فيها مما يخص النسب، هذا البيت: فوارسها من تغلب ابنة وائل حماة كماة ليس فيها أشائب
ولم يرتفع الأخنس بنسب تغلب إلى ما وراء وائل من آباء وأجداد.
والحق أن من يقرا هذه القصيدة دون أن يقرأ اسم صاحبها، يرى إنها من قصائد الشعراء المتكلفين الذين ظهروا في أيام الدولة العباسية، ولن يخطر بباله أبداً أنها من نظم شاعر جاهلي. وأنا أريد أن أتجاسر فأقول: إني أشك في صحة نظم ذلك الشاعر هذه القصيدة، وأسلوب نظمها يأبى أن يرجعها إلى ذلك العهد.
وقد خصص "ابن النديم" في كتابه "الفهرست، فصلاً ب "أخبار الأخباريين والنسابين وأصحاب الأحداث"، ذكر فيه أسماء بعض من عرف واشتهر بحفظه للانساب، ولا سيما من ألف فيهم تأليفاً في النسب. وقد طبعت بعض مؤلفات المذكورين، وهي متداولة بين الناس. والذين ذكرهم "ابن النديم" هم من اشتهر وعرف وذاع خبره في العراق وفي البيئة التي اتصل بها "ابن النديم"، وهم من أهل الحواضر في الغالب، إلا أن بين أهل البوادي والأماكن القصية النائية المنعزلة جماعة كانت قد تخصصت بالنسب، انحصرت شهرتها في البيئة التي عاشت فيها. ولهذا لم يصل خبرهم إليه والبنا، وكثير منهم لم يؤلف في النسب تأليفاً، و إنما حفظه حفظاً، شأنهم في ذلك شأن النَسّابين الجاهلين، أو الذين أدركوا الإسلام.
ونجد في كتب الأدب والتواريخ قصصاً عن بعض النسابين في الجاهلية وفي الإسلام، يثير الدهشة من قدرة وشدة الحافظة عند أولئك النسابين في حفظ الأنساب. وقد عرف أحدهم ب "النَسّابة"، فقيل: "فلان النَسّابة" أو "النسابة". وقد كان لهم شأن خطير بين قومهم، لأنهم المرجع في الأحساب والأنساب، واليهم المفزع عند حصول اختلاف في الأمور المتعلقة بها. ويذكر أن الخليفة "عمر" أمر بتسجيل الأنساب وتبويبها وتثبيتها في ديوان، وذلك عند فرضه العطاء، " فبدأ بالترتيب في أصل النسب، ثم ما تفرع عنه، فالعرب عدنان وقحطان. فقدم عدنان على قحطان لأن النبوة فيهم وعدنان تجمع ربيعة ومضر، فقدم مضر على ربيعة لأن النبوّة فيهم، ومضر تجمع قريشاً وغير قريش، فقدم قريشاً لأن النبوة فيهم، وقرش تجمع بني هاشم وغيرهم، فقدم بني هاشم لأن النبوة فيهم، فيكون بنو هاشم قطب الترنيب، ثم بمن يليهم من أقرب الأنساب اليهم حتىاستوعب قريشاً، ثم بمن يليهم في النسب حتى استوعب جميع عدنان. وقد كان هذا التسجيل سنة خمس عشرة للهجرة، في رواية، أو سنة عشرين في رواية أخرى.
وذكر أن الخليفة قال: "أيما حي من العرب كانوا في حي من العرب أسلموا معهم فهم معهم، إلا أن يعترضوا، فعليهم البيّنة، كالذي فعله مع "بجيلة" رهط جرير بن عبد الله بن جابر، وكانوا قد تفرقوا، واغتربوا بسبب حروب وقعت بينهم والتحقوا بقبائل أخرى. وروي أن عوف بن لؤي بن غالب ألحق نسبه ب "غطفان"، والتحق نسب بنيه "بني مُرّة" بَغَطفان، ويقال إن الخليفة قال: لو كنت مستلحقاً حياً من العرب، لاستلحقت يني مُرًة، لما كنا نعرف فيهم من الشرف البين، مع ما كنا نعرف من موقع عوف بن لؤي بتلك البلاد. ثم قال بعض أشرافهم: إن شئتم أن ترجعوا لنسبكم من قريش، فافعلوا. ولكنهم كرهوا أن يتركوا نسبهم في قومهم، ولهم فيهم من الشرف والفضل ما ليس لغيرهم".
وقد ضاعت أصول الجرائد التي دوّنت عليها الأنساب في ذلك الديوان، ولم يبق منها شيء. ويظهر إن أهل الأخبار لم ينقلوا صورها، و إنما أخذوا الأسس التي قام عليها التسجيل على نحو ما ذكرت، وبالجملة فإن في إشارتهم إلى تلك الأسس والقواعد التي سار عليها الخليفة في اتخاذ القربى بالرسول والوضع القائم للقبائل، فائدة كبيرة لدراسة أسس تثبيت الأنساب عند العرب في صدر ا لإسلام.
ويذكر إن الذي قام بوضع مخطط الأنساب وبتسجيل القبائل والعشائر وفق الخطة التي أشرت إليها، هو "عقيل بن أبي طالب"، وهو من الثقات في معرفة الأنساب، ومعرفة بن نوفل، وجبير بن مطعم، وان الذي أشار عليه بتدوين النسب في الدواوين هو "الوليد بن هشام بن المغيرة" لما رآه من عمل الروم في تسجيل العطاء في بلاد الشام.
ولم يقتصر التسجيل المذكور على تسجيل نسب القبائل وحدها، بل شمل ذلك نسب أهل القرى أيضاً، كنسب أهل مكة والمدينة والطائف وغرها. وذلك لأن سكانها وان كانوا من أصحاب المدر، وقد أقاموا واستقروا في بيوت ثابتة، إلا انهم كانوا كالأعراب من حيث الانتساب إلى الآباء والأجداد. وقد رأينا إن عمر كان قد بدأ بقوم الرسول، وقومه حضر، من أهل مكة، إلا انهم كانوا لا يختلفون عن أهل الوبر في التعلق بالأنساب وفي حفظها، لأن حياتهم الاجتماعية وان كانت في قرية، إلا أن غريزة المحافظة على النفس والدفاع عن الحقوق حملتهم مثل الأعراب على التمسك بالعصبية، بعصبية النسب، ليتمكنوا من المحافظة على الأمن والسلامة والمال، لعدم وجود حكومة قوية تقوم اذ ذاك بتاًمين هذه الواجبات. ثم إن هذه الأماكن محاطة بالأعراب، وبين أهل مكة من كان شبه حضري، وبيئة مثل هذه لا بد لها من الاحتماء بعصية النسب، وبالتزاوج معالأعراب، لتكوين رابطة دموية، تؤدي إلى عصبية تضطر الطرفين إلى الدفاع عن مصالحهما المشتركة وتكوين كتلة واحدة تستجيب للنخوة ولنداء الاستغاثة في ساعة الحاجة والضرورة. ولهذا كان لتزاوج عند العرب أهمية كبيرة في السياسة. ومن هنا نظر سادات القوم والملوك إلى التزوج من بنات سادات القبائل الكبيرة نظرة سياسية في الدرجة الأولى وذلك لشد عضدهم ولتثبيت ملكهم ولضبط القبائل، وبضبطها يستتب الأمن وينتصر على الأعداء. وقد كان لزواج معاوية في الإسلام من "كلب" أثر كبير في السياسة الأموية وفي تثبيت ملكه وملك ابنه يزيد وملك مروان الذي انتصر بهم في معركة "مرج راهط" على القيسيين.
وعلى الرغم من التسجيل المذكور الذي كان للعطاء، أي لأغراض حكومية رسمية، فان أنساب القبائل لم تثبت ولم تستقر إلا بعد ذلك بأمد. وآية ذلك ما نجده من خروج قبائل في العصر الأموي من نسب قديم، ودخولها في نسب آخر جديد. وقد كان شروع النسابين في تسجيل علمهم وتسوينه، مما ساعد كثيراً ولا شك في تثبيت هذه الأنساب واقرارها،ولا سيما أنساب القبائل المشهورة المعروفة، وقد وصلت بعض كتب الأنساب، وطبع قسم منها.
وقد وضع بعض المؤلفين، مثل الواقدي أبي عبد الله محمد بن عمر المتوفى سنة "207ه"، مؤلفاً في "وضع عمر الدواوين، وتصنيف القبائل ومراتبها وأنسابها"، إلا إنها ضاعت، فحرمنا الاستفادة منها، ولو بقيت مثل هذه المؤلفات اذن لكان لنا علم قيّم ورأي في كيفية تصنيف القبائل في تلك الأيام.
وقد كان بعض النسابين قد تخصص بنسب جماعة من العرب، جماعة قومه ومن يرتبط بهم في الغالب. مثل "الزبير بن بكّار" صاحب "كتاب نسب قريش وأخبارها"، ومثل "عقيل بن أبي طالب"، وكان قد تخصص بنسب قريش، ومثل "أبي الكناس الكندي"، وكان أعلم الناس بنسب كندة، ومثل "النجار بن أوس العَدْواني"، وكان من أحفظ الناس لنسب "معد ابن عدنان"، ومثل "عديّ بن رثاث الإيادي"، وكان عالماً بإياد، ومثل "خراش بن إسماعيل العِجْلي"، وكان عالماً بنسب ربيعة. وعن هؤلاء وأمثالهم أخذ أهل الأنساب علمهم بالأنساب، ووضعوا كتباً في نعشا القبائل أو في أنساب العرب، أو في انساب جماعة منهم.
ولتسجيل "عُمَر" للأنساب شاًن كبير بالنسبة إلى الباحثين في تطور النسب عند العرب، لأنه ثبت بذلك الأسس ووضع القواعد للنسابين في الإسلام وقيل من الاضطراب الذي كان يقع في النسب، بسبب الاختلاط، وعليه سار المسلمون في تقسيم العرب إلى أصلين. ولا بد أن يكون لهذا التقسيم أصل قديم، يرجع إلى ما قبل عمر. أقره الخليفة، وجعله أساساً له في التقسيم الذي بقيا مرعياً متعارفاً عليه بين النسابين إلى اليوم. ويمكن أن نقارن هذا العمل، أي تسجيل النسب وتثبيه في سجلات، بالعمل الذي قام به "عزرا" في تثبيت أنساب اليهود وتدينها، وفي تدوين انساب الغرباء، لتستقر بذلك الأنساب فسار من جاء بعده من النسابين في تعيين النسب على أساس ذلك التدوين.
وفي القرآن الكريم آيات تشير إلى عناية القوم بأحسابهم وأنسابهم، ولكنه لم يتعرض لبيان وجهة نضرهم بالنسبة إليها، ولا يشعر في موضع ما منه بوجود تلك الفكرة التي ألحّ على وجودها أهل الأخبار، وهي انقسام العرب إلى ثلاث طبقات أو طبقتين، ووجود نسبين أو جملة أنساب للعرب، ولم يرد فيه اسم "عدنان" ولا "قحطان"، ولا أي من هذه الأشياء التي يتمسك بها أهل الرواية والأخبار، ويقصونها لنا على أنها من الحقائق الثابتة في أنساب العرب، وعلى أن العرب كانوا حقاً من جدّين هما: عدنان وقحطان.
بل كان ما ورد في القرآن يشعر أن العرب كانوا ينظرون إلى أنفسهم أنهم من جد أعلى واحد، هو: "إبراهيم" وأن "إبراهيم" أبو العرب: "وجاهدوا في الله حق جهاده. هو اجتباكم. وما جعل عليكم في الدين من حرج، ملة أبيكم إبراهيم. هو سماكم المسلمين ...". فلم يفرق بين عرب "قحطانيين وعرب عدنانيين. ورُوي: إن الرسول قال: "كل العرب من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام".
بل حتى الشعر الجاهلي، لا نجد فيه إشارة واحدة تفيد اعتقاد الجاهليين بوجود أصلين أو ثلاثة أصول أو أكثر لهم. وكل ما ورد فيه هو فخر بقحطان وفخر بعدنان أو معدّ أو غير ذلك من الأسماء التي تعد من أسماء الأجداد التي ينتهي إليها "الشعب" أو "الجذم". وأما التفصيلات الأخرى والأسماء الواردة في تحب النسب أو الأخبار والتواريخ، فهي من روايات الإسلاميين. ثم إن من الشعر الجاهلي ما لا يصح أن يكون جاهلياً، ومنه ما قيل قبل الإسلام، ولا يصح كل الشعر الجاهلي أن يكون شاهداً على آراء أهل الجاهلية البعيدين عن الإسلام.
كذلك لا نجد في شعر الجاهلية سلسلة نسب شحطان أو عدنان. ولا نجد في الأخبار ما يفيد وقوف أهل الجاهلية عليها ر وهي سلسلة أخذت اسماؤها من التوراة، وبعضها أسماء محرفة موضوعة على شاكلة الأسماء التوراتية. أما في الحديث النبوي، فقد ورد أن الرسول انتسب إلى "أسد"، وهو والد "عدنان"، ثم قال: "كذب النسابون". و في كل ذلك دلالة على أن أسماء آباء قحطان وعدنان، إنما دونت وتثبت في الإسلام. أما قبل الإسلام، فلعل بعضهم وفي أيام الرسول، كان قد تلقن من اليهود نسب قحطان، وان بعض اليهود لقن العرب نسباً لعدنان، فلما لاكت الألسنة تلك الأنساب، وسمعها الرسول قال: "كذب النسابون".
أما أسماء أبناء قحطان وعدنان فما دون ذلك، فإنها أسماء عربية في الغالب، و ينقطع منها أثر التوراة وأثر الأسماء التوراتية، مما يدل على إن النسابين العرب كانوا على علم وبصيرة بتلك الأسماء، وأنها كانت معروفة عندهم. وهي أسماء لا ترد في التوراة ولا خير لها عند أهل الكتاب.
وقد ذهب "دوزي" إلى وجود فروق أساسية بين القحطانيين و العدنانيين، حتى ذهب إلى وجود اختلاف بين نفسهية كل جماعة من الجماعتين. وأنا لا أريد أن أنكر عليه وجود العداء الذي كان قد استحكم بين القبائل التي تنتسب إلى معد أو إلى قحطان، ولا أريد أن أنكر عليه نهجا شعراء اليمن على قبائل معد، أو عدنان، ولا نهجم شعراء عدنان على قبائل اليمن المنتمية إلى قحطان، ولا أريد أن أنكر افتخار اليمانيين بانتسابهم إلى اليمن، ولا افتخار العدنانين بانتسابهم إلى عدنان أو مضر أو معد أو غير ذلك من أسماء الشعوب والأجذام، لا أريد أن أنكر شعر "امرىء القيس" في افتخاره بنسبه في اليمن، ولا أن أنكر شعر غيره من الشعراء اليمانيين أو الشعراء العدنانيين في الافتخار باليمن أو بمضر أو بمعد. ولكنني لا أريدّ أن أنكر في الوقت نفسه افتخار القبائل القحطانية بعضها على بعض، وافتخار القبائل العدنانية بعضها علىبعض، وهجاء القبائل القحطانية بعضها لبعض، وهجاء القبائل العدنانية بعضها لبعضها هجاء لا يقل عن هجاء اليمن لمعد أو هجاء معد لليمن. فهل يصح أن يتخذ هذا الهجاء سبباً لوضع نظرية في اختلاف أجناس هذه القبائل? وهل يصح أن نجعل هذا الهجاء حجة على تباين أصل القحطانيين، وعلى تباين أصل العدنانيين ? إن جاز ذلك، وجب علينا إذن إعادة النظر في كل ما هو مكتوب عن أصول القبائل وفي كل ما هو مدوّن في كتب النسب والأخبار.
هذا "سلامة بن جندل السعدي"، وهو من مضر، يحل في شعره على معدّ، ويهجوها هجاًء مراً، وهذا "قي س بن الخطيم" لسان الأوس يحمل على الخزرج، ويردد ذكريات الأيام التي كانت بين الأوس والخزرج بمثل الشدة التي تجدها في شعر الهجاء الذي قاله العدنانيون في القحطانيين، والقحطانيون في العدنانيين. إنه ذكر تلك الأيام لا لمجرد الفخر والتباهي، بل ليثير في نفوس الأوس الأحقاد القديمة، وليزيد في تلك النيران نيراناً. لقد ذكرهم "بيوم الربيع"، وذكرهم ب "يوم السرارة"، وذكرهم ب "يوم مضرس ومعبس"، و هو يوم دارت فيه الأيام دورنها على الأوس، فقتل منهم عدد كبير، وانهزم أكثرهم إلى بيوتهم وآطابهم، حتى خرج الناس من طوائفهم إلى مكة يستعينون على الخزرج، وذكرهم بأيامهم الأخرى. كل ذلك بلهجة عنيفة شديدة، ليس فيها لين ولا رفق. إنه ينظر إلى الخزرج نظرة عداء وحقد، نظرة تشعر منها أن الأوس جنس وأن الخزرج من جنس بعيد آخر. لقد ذكر قريشاً بخير، وذكر إنها ستحمل عنهم حرب الخزرج، وذكر أنهم لو التحقوا بأبرهة اليماني أو بنعمان أو عمرو، لنالوا من هؤلاء كلُّ قدير، ولجعلوا لهم جاهاً أي جاه.
ذكر أبرهة حاكم اليمن، وذكر غسان ولخماً، وذكلر أهم من ذلك كله قريشاً على إنها ستحمل الحرب وستقابل الخزرج عما قريب. وقريش من عدنان، والأوس والخزرج من قحطان، ولم نجد في شعره ما يذكر برابطة النسب بين الخزرج والأوس. ولم برد في شعره اسم قحطان أو عدنان. والقصيدة التي ذكر فيها هذا اليوم هي من أقدم قصائد هذا الشاعر الذي اضطرت قبيلته "للظفر"، ومعها "عبد الأشهل" إلى مغادرة يثرب والتفتيش عن حليف يساعدها في العودة إلى ديارها، فذكر قيس قريشاً، وكأنه يذكر قبيلة قريبة من قبيلته، مع إنها من نسب آخر في رأي النسابين.
وفي كتب الأدب والدواوين شعر كثير ينسب إلى شعراء جاهليين وشعراء مخضرمين وشعراء إسلاميين، فيه هجاء عنيف من شاعر قحطاني لقبائل قحطانية، ومن شاعر عدناني لقبيلة عدنانية، وفيه مدح وفيه إغراق من شاعر قحطاني لقبائل عدنانية، وهجوم عنيف على القحطانيين، وهكذا. ولو أردنا شرح ذلك وسرد الأمثلة، لأخذ ذلك منا وقتاً طويلا يخرجنا عن صلب الموضوع، وينقلنا إلى أمور أخرى لا صلة لها بهذا البحث.
ثم إن علينا أن نحسب حساباً لأمر هذا الشعر المروي في المدح والفخر وفي الذم والهجاء، وهو عندي أوسع باب من أبواب الشعر محتمل النقد، و إثارة الشكوك حوله. وقد خبرنا من الكتب أن القبائل كانتّ تستأجر الشعراء لقول المدح أو الذم، و إنها كانت تعد الشاعر منحة من منح الله على القبيلة، لأنه لسانها الناطق والذائد عنها بشعره، يدافع عن قبيلته، و يهاجم أعداءها،ويتهمهم بكل ما يصل إليه فنه من الهجاء ورمي التهم، كائنين ما كانوا قحطانيين أو عدنانيين. وقد اقتضت طبيعة الخصومة التي زادت حدتها في الإسلام بين يمن ومضر وضع شيء كثير من هذا الشعر شعر المنافرة والمفاخرة بين عدنان وقحطان، وهذا أمر وقع، مفروغ منه، لا شك في صحته وثبوته، اقتضته ظروف السياسة، فيجب الانتباه له حين التحدث عن نزاع قحطان وعدنان.
وترينا الأخبار أن ما نسميه بنزاع قحطاني وعدناني لم يكن شديداً في الجاهلية بين القبائل التي كانت تقيم في الأنحاء الشمالية من جزيرة العرب، أي بين تلك القبائل التي رجع النسابون نسبها بحق أو بغير حق إلى عدنان أو قحطان، بمثل تلك الشدّة التي تظهر في النزاع الذي تحدثوا عنه بين القبائل التي كانت تعيش في اليمن أو في الحجاز. وهذا أمر ذو بال، يجب أن يحسب له كل حساب عند الحديث عن نزاع عدنان وقحطان.
وترينا الأخبار كذلك أن الخصومات التي وقعت بين القبائل العدنانية نفسها، أو بين القبائل القحطانية نفسها، لم تكن أقل عنفاً وضراوةً من ذلك النزاع الذي وقع بين من نسميهم بالقحطانيين ومن نسميهم بالعدنانيين. لقد اتخذ شكلا عنيفاً،شكلاً يجعلك تشعر أن تلك القبائل كانت تشعر إنها قبائل متباعدة لايجمعها شمل، ولا يربط بينها نسب، ولا تجمعها جامعة دماء على النحو الذي يرويه ويذكره أهل الأنساب والأخبار.
والغريب أنك في كل ذلك النزاع المرء العنيف، لا تسمع فيه انتساب كل العرب إلى عدنان أو قحطان، و إنما تسمع فيه فخراً بأسماء القبائل أو بأسماء الأحلاف الداخلة في عدنان أو في قحطان، تسمع فيه اسم "معد" أو اسم "يمن" أو "نزار" أو "مضر" أو غير ذلك، ولا تسمع فيه اسم الجدًين الأكبرين المذكورين. فماذا يعني هذا ? وعلام يدل ? ويمن عند أهل الأنساب والأخبار وفي العرف، كناية عن "قحطان"، و "قحطان" عندهم أيضاً و في العرف كناية عن "يمن" وعن الشعوب التي ترجع نسيها إلى "يمن" 0 أما "معد" و "مضر" و "نزار"، فكناية عن "عدنان" أو عن أحلاف من أحلاف عدنان.
وأنت إذا ما أردت أن ترسيم حدوداً فاصلةٌ بين "قحطان" و "عدنان"، أي بين "يمن" و "معد"، فإنك تستطيع أن ترسمها بسهولة إذا ما اعتبرت "قحطان" كناية عن اليمن، وان "عدنان" كناية عن "قريش" والقبائل التي ترجع نسبها إلى نسب قريش. وحدود أرض قريش وحدود أرض اليمن معروفة واضحة. أما إذا أردت إن ترسم حدوداً فاصلة، وأن تضع معالم واضحة بينة بين القبائل القحطانية والقبائل العدنانية، استناداً إلى روايات أهل الأنساب والأخبار وإلى الشجرات التي رسموها لأنساب العرب طرّاً، فإنلك ستخفق حتماً، وسيخيب عملك من غير شك. ذلك لأن أهل الأنساب لم يسيروا في تقسيمهم العرب على وفق قواعد ثابتة وأسس واضحة مرسومة، مثل اختلاف في ملامح جسمانية، أو تمايز في أمور عقلية أو نفسية أو لغوية، أو اختلاف في مواقع جغرافية، بل ساروا وفقاً للعرف والشائع، فسجلوا الأنساب على وفق الشائع بين الناس عن النسب في ذلك العهد.
وأنت إذا أردت تطبيق ما عندك من علم في "الأثنولوجيا" وفي "الأنتروبولوجي" وفي العلوم المشابهة الأخرى، على التقسيم الثنائي للعرب، فستجد نفسك حائراً تائهاً لا مجال لقواعد علمك في هذا المكان. فبين القبائل التي تنتمي إلى "قحطان" مثلاً تباين كبير في الملامح وفي العقلية وفي اللغة، ويجعل من غير الممكن تصور وجود وحدة دموية تجمع شمل هذه القبائل، وجدّ واحد انحدر من صلبه هؤلاء، وبين القبائل العدنانية اختلاف كذلك في الملامح وفي اللغة، يضطرك إلى القول بفساد نظرية النسابين في أصل هذه القبائل. ولا بد عندئذ من اعتبار هذا انسب رمزاً أخذ من صراع قديم، أو من أحلاف قديمة، فصير جدّ ين لجماعتين. وكيف تتمكن من إقناع الباحث الحديث في العلوم المذكورة بوجود وحدة في الملامح الجسمية وفي الصفات العقلية، ووحدة في اللسان بين القبائل القحطانية الجنوبية، الضاربة في اليمن وفي بقية العربية الجنوبية وبين القبائل القحطانية الشمالية، مثل غسان ولخم وكلب وكندة وغيرها، على حين يرى بين الجماعتين فروقاً واضحة بينّة في كل شيء. حتى إنه يستطيع أن يشير إلى القحطاني الجنوبي حالاً عند رؤيته له، على حين لا يستطيع أن يميز القحطاني الشمالي من العدناني، ولا أن يعرفه إلا بالاستفسار منه. الصحيح إننا إذا أخذنا بالملامح وبالأمور الأخرى المذكورة، خلصنا إلى نتيجة تقول لنا إن الفروق بين القحطانيين والعدنانيين هي أقل جداً من الفروق التي نراها بين القحطانيين الشماليين والقحطانيين الجنوبيين. وهي نتيجة ليست في مصلحة أهل الأنساب بالطبع، تبين لنا إن قضية قحطان وعدنان قضية اعتبارية لا غير.
بل خذ القحطانيين الجنوبيين، وهم لبّ القحطانية ومادتها، ترَ إن القحطاني الساكن على السواحل الجنوبية يختلف في سحنته عن القحطاني الساكن في المرتفعات والهضاب، والجبال. وان الساكن على السواحل المقابلة للسواحل الأفريقية يختلف في ملامحه الجسمية عن الساكن على السواحل المقابلة للهند، وان سكان حضرموت أو عمان أو مسقط يختلفون في الملامح والسحن عن إخوانهم القحطانيين الساكنين في اليمن وفي نجران وفي الأقسام الجنوبية من المملكة العربية السعودية. فهل يكون هذا الاختلاف دليلاً على قحطانية بالمعنى الذي يزعمه أهل الأنساب ?
ولقد ذهب بعض الباحثين في علم الأجناس البشرية "الأنتروبولوجي" "Anthropology" إلى إن العرب الجنوبيين هم من أصل حامي، وان وطنهم الأصلي هو أفريقية. وقد ذهب بعض آخر إلى وجود شبه كبير في الملامح وفي الخصائص البشرية بين العرب الجنوبيين والقبائل الإفريقية الساكنة على الساحل الإفريقي من البحر الأحمر والصومال، إلا إنه نسب ذلك إلى إن تلك القبائل كانت عربية في الأصل، هاجرت من جزيرة العرب عن طريق باب المندب إلى أفريقية، فسكنت هناك. ومن ثم وقع هذا التشابه. بين تلك القبائل والعرب الجنوبيين.
ورأى آخرون أن العربية الجنوبية هي مزيج من الأجناس البشرية واضح المعالم، وذلك منذ أقدم أيامها. فنرى فيها قبائل تشبه جماعة "الفيديد" "Weddid" الهندية، وهي من للسلالات الهندية القديمة، يسكن بعضها في أرض "سيهان" و "معارة" من حضرموت، ونرى فيها عناصر مما يطلق عليها اسم "الجنس الشرقي" "Orientalide Rasse"، وهو الجنس الذي يكثر وجوده بين العرب الشماليين، وعناصر أخرى تمثل إنسان حوض البحر المتوسط "Mediterranen Rasse" أو الأجناس الأوروبية، حيث وجد بعض السياح بين بعض قبائل اليمن جماعة من الناس لها عيونُ زرق وشعر أشقر وبشرة بيضاء أو تميل إلى البياض وملامح أوروبية بينة، وتتراوح نسبة هؤلاء بين 8 إلى 12 بالمئة.
ووجد الباحثون بين قبائل العربية الجنوبية،جماعات لها ملامح آشورية وجماعات ذات ملامح تشبه ملامح سكان آسية الصغرى، وجماعات ذات ملامح أفريقية. وقد وجد الدكتور "سليمان أحمد حزين" أن بين أهل شمال اليمن وبين أهل جنوب اليمن إلى المحيط اختلافات بارزة في الملامح وفي المظاهر الجسمية يخرجنا البحث عنها هنا من حدود التأريخ العام. ووجد غيره مثل ذلك. كما وجد هذا الاختلاط بارزاً في بقايا الهياكل البشرية القديمة التي عثر عليها في العاديات.
[COLOR=#000000][FONT=Arabic Transparent]وما هذه المظاهر والملامح التي رأيناها من الجماجم وبقية الهياكل البشرية ومن أشكال التماثيل والصور، ومن دراسات الباحثين "الأنتروبولوجيين" للقبائل الحاضرة، إلا حكاية واضحة صريحة عن عملية امتزاج أجناس بشرية متعددة في العربية الجنوبية، بسبب الهجرات والحروب والاتصال البحري والتجارة وعوامل أخرى، ونجد مثل ذلك بالطبع بين من نسميهم بالعرب الشماليين. وسوف نرى إن الدول القديمة كانت تنقل البشر نقلا من مناطق إلى مناطق فتزرعهم فيها، وان أكثر أفراد الجيوش التي كانت ترسل لمحاربة القبائل أو للتوسع في الجزيرة كانت تبقى وتستقر في المواضع التي ترسل إليها، فتتطبع بطب







 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التوقيع :


كـــــــــــــــــــــــــــنعان
آخر تعديل ابو رامى2 يوم 30 / 06 / 2013 في 02:01 AM.
رد مع اقتباس

 

قديم 05 / 07 / 2011, 07:14 AM   رقم المشاركة : 6
المعلم كنعان
عضو فعٌال
 
الصورة الرمزية المعلم كنعان

 

         

المعلم كنعان غير متصل

تاريخ الإنتساب :  16 / 03 / 2011
رقم العضوية : 19947
عدد المشاركات : 106
الإقامة : egypt
الجنـس: ذكر
WhatsApp:
         
خاطرة: منتديات أحجار بيتي الثاني
 



الفصل الثاني عشر

الفصل الثاني عشر
طبقات القبائل

ورتب علماء الأنساب قبائل العرب على مراتب، هي: شعب، ثم قبيلة، ثم عمارة، ثم بطن، ثم فخذ، ثم فصيلة. فالشعب النسب الأبعد مثل عدنان وقحطان، والقبيلة مثل ربيعة ومضر، والعمارة مثل قريش وكنانة، والبطن مثل بني عبد مناف وبني مخزوم، ومثل بني هاشم وبني أمية، والفصيلة مثل بني أبي طالب وبني العباس. وجعل "ابن الكلبي" مرتية بين الفخذ والفصيلة، هي مرتبة العشيرة، وهي رهط الرجل. وبني "النويري" طبقات القبائل على عشر طبقات هي: الجِذْم، و الجماهير، والشعوب، والقبائل، والعمائر، والبطون، و الأفخاذ، والعشائر، والفصائل والأرهاط. ورتب "نشوان ابن سعيد الحميري" القبائل على هذا النحو: الشعب، ثم القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الجيل، ثم الفصيلة. وجعل مضر مثال الشعب، وكنانة مثال القبيلة، وقريشاً مثال العمارة، وفهراً مثال البطن، و قصياً مثال الفخذ، وهاشما للجيل، وآل العباس للفصيلة.
وأكثر علماء النسب يقدمون الشعب على القبيلة، والظاهر إن هذه الفكرة كانت قد اختمرت في رؤوس الجاهليين الذين عاشوا في الجاهلية القريبة من الإسلام حيث ظهرت عندهم الفكرة القومية بمعنى واسع، وحيث نجد عندهم ظهور الكلمات التي تشير إلى هذا المعنى، مثل اطلاقهم العرب على العرب جميعاً اصطلاحاً، وحيث أخذ الحس القومي يظهر بين القبائل بوجوب التكتل لمكافحة الغرباء? كالذي حدث في معارك اليمن مع الحبش، وفي معارك عرب العراق مع الفرس. وقد قدّم القرآن الكريم الشعوب على القبائل )وجعلناكم شعوباً وقبائل، لِتَعارفوا(. فالشعوب هنا فوق القبائل و تعبر عن هذا المعنى الواسع الذي أتحدث عنه.
وزاد بعض العلماء الجذم، بأن وضعوها قبل الشعب، ووضعوا الفصيلة بعد العشيرة، ومنهم من زاد بعد العشيرة الأسرة، ثم العترة. ورتبها آخرون على هذه الصورة: الجذم، ثم الجمهور، ثم الشعب، ثم القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم العشيرة، ثم الفصيلة، ثم الرهط، ثم الأسرة، ثم العترة، ثم الذرية. وزاد غيرهم في أثنائها ثلاثة، هي: البيت، والحي، و الجماع.
والاختلاف الذي نراه من علماء النسب، هو في الترتيب، أي من حيث التقديم والتأخر، وفي إضافة بعض المصطلحات أو في نقصها. أما من حيث العموم، فإننا نجدهم يتفقون في الغالب،ولا يختلفون أبداً في أن القبائل والأنساب كانت على منازل ودرجات. ولا بد أن تكون أكثر هذه المصطلحات مصطلحات أهل الجاهلية القريبين من الإسلام. أما بالنسبة إلى الجاهلين البعيدين عنه، فلن يكون حكمنا عليهم علمياً إلا إذا أخذنا مصطلحاتهم من كتاباتهم. ولم نتمكن ويا للأسف من الحصول على مادة منها تفيدنا في هذا الباب. فليس لنا إلا الصبر والانتظار.
والقبيلة: الجماعة تنتمي إلى نسب واحد، ويرجع ذلك النسب إلى جدّ أعلى، أو إلى جدّة وهو في الأقل. ولا تزال اللفظة حية مستعملة يستعملها العرب في كل مكان في المعنى الاصطلاحي المستعمل عند النسابين.
والقبيلة هي المجتمع الأكبر بالنسبة إلى أهل البادية، فليس فوقها مجتمع عندهم. وهي في معنى "شعب" عندنا وفي مصطلحنا الحديث. و تتفرع من القبيلة فروع وأغصان، هي دون القبيلة، لأنها في منزلة الفروع من الشجرة. ثم اختلفوا في عدد الفروع المتفرعة من القبيلة، فجعل بعضهم بعد القبيلة العمارة ثم البطن، ثم الفخذ ثم الفصيلة، وجعل بعض آخر ما دون القبيلة: العَمارة ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة، وزاد بعض آخر قبل الشعب الجِذم، وبعد الفصيلة العشيرة. ومنهم من زاد بعد العشيرة الأسرة، ثم العترة. ورتب بعض النسابين طبقات النسب على هذا النحو: جذم، ثم جمهور، ثم شعب، ثم قبيلة، ثم عمارة، ثم بطن، ثم فخذ، ثم عشيرة، ثم فصيلة، ثم رهط، ثم أسرة، ثم عترة، ثم ذرية. وزاد بعضهم في أثنائها ثلاثة، وهي: البيت و الحي، و الجماع.
ويدل اختلاف النسابين في ضبط أسماء ما فوق القبيلة أو ما تحتها،واضطرابهم في الترتيب على أن هذا الترتيب لم يكن ترتيباً جاهلياً أجمع الجاهليون عليه، وإلا لما تباينوا هذا التباين فيه، ولما اختلفوا هذا الاختلاف في سرده، إنما هو ترتيب اجتهادي أخذه العلماء من افواه الرواة ومن الأوضاع القبلية التي كانت سائدة في أيامهم ومن اجتهادهم أنفسهم، فرتبوها على وفق ذلك الاجتهاد.
وأكثر هذه المصطلحات لم ترد لا في الكتابات الجاهلية ولا في الشعر المنسوب إلى الجاهلين، لذلك يصعب على الإنسان أن يبدي رأياً علمياً مقبولاً فيها، وأعتقد أن خير ما يمكن فعله في هذا الباب هو استنطاق الكتابات الجاهلية وتفليتها وتفلية الشعر الجاهلي للبحث عما فيه من مصطلحات تتعلق بالنظم القبلية وعندئذ نتمكن من تكوين رأي قريب من الصواب والصحة في هذا الموضوع.
ومن أجل ذلك قال "روبرتسن سمث" إن البطن والحي هما أساس أقدم أشكال المجتمعات السياسية عند الساميين.
كما استدل من أسماء بعض القبائل التي تحمل أسماء بعض الحيوانات، مثل: بني أسد، وبني كلب، وبني بدن، وبني ثعلب، وبني ثور، وبني بكر، وبني ضب، وبتي غراب، وبني فهد، وما شاكل ذلك من أسماء جماعة من القبائل، وبعضها عمائر، وبعضها بطون أو فصائل على وجود "الطوطمية" عند العرب، وعلى أن هذه الأسماء هي من ذكريات "الطوطمية" القديمة.
وقد تأثر بنظريته هذه جماعة من العلماء. وعدّ بعض العلماء نظرية "الطوطمية" مفتاحاً يوصل إلى حل كثير من المسائل الغامضة من تأريخ البشرية القديم.
هذا وقد رجع "ابن حزم" جميع قبائل العرب إلى أبو احد، سوى ثلاث قبائل، هي: تنوخ، والعتق، وغسان، فإن كل قبيلة منها مجتمعة من عدة بطون. وقد نص غيره من أهل النسب على أن تنوخاً اسم لعشر قبائل، اجتمعوا وأقاموا بالبحرين، فسموا تنوخاً. وذكر ب بعض آخر إن غسان عدة بطون من الأزد، نزلت على ماء يسمى غسان، فسميت به. فترى من هنا إن تنوخاً والأزد حلف في الأصل، وقد صار مع ذلك نسباً عند كثير من أهل الأخبار في الدفاع عنه. ولما كانت هذه النزعة الفردية هي هدف سياسة سادة القبائل، أصبحت من أهم العوائق في تكوين الحكومات المدنية الكبيرة في جزيرة العرب، ومن أبرز مظاهر الحياة السياسية قبل الإسلام.
وينطبق ما قلته عن تنظيم القبيلة وبناء الأنساب عليه على أهل الحضر أيضاً. فالحضر، ولاسيما حضر الحجاز، وان استقروا وأقاموا غير أنهم لم يتمكنوا م ن ترك النظم البدوية الاجتماعية القائمة على مراعاة قواعد النسب وفقاً للتقسيمات المذكورة. وهي تقسيمات أوجدتها طبيعة الحياة في البادية، تلك الحياة الشحيحة التي لا تتحمل طاقاتها تقديم ما يحتاج إليه مجتمع كبير مستقر من مأكل وماء، ولذلك اضطرت المجتمعات الكبرى، وهي القبائل،على التشتت والانقسام والانتشار كتلا تختلف درجات حجمها حسب طبيعة الأرض التي نزلت بها، من حيث الكرم و البخل، و لما استقر بعض هؤلاء البدو وتحضروا في أماكن ثابتة مثل مكة ويثرب و الطائف، حافظوا على نظمهم الاجتماعية المذكورة الموروثة من حياة البادية، وعاشوا في مدرهم أحياءً وشعاباً عيشة قائمة على أساس الروابط الدموية والنسب، كما سأتحدث عن ذلك في الحياة الاجتماعية.
والنسب عند العرب، هو نسب يقوم إذن على الطبقات المذكورة، كما أن الطبقات المذكورة قائمة على دعوى النسب، فبين النسب وبناء المجتمع، صلة وارتباط، ولا يمكن فك أحدهما عن الآخر، ولهذا نجد شجرات الأنساب تتفرع وتورق وتزهر على هذا الأساس.
وأنا لا أستثني المجتمع العربي في الجنوب، الذي تغلب عليه حياة الاستقرار والسكن والاستيطان من هذا التنظيم. فنحن وإن لم نتمكن حتى الآن من الحصول على كتابات كافية تقدم لنا صورة واضحة عن الأنساب وعن تنظيمات المجتمع عند المعينيين والسبئيين وغيرهم من العرب الجنوبيين، غير أن في بعض الكتابات التي وصلت إلينا إشارات تفيد وجود هذا التنظيم عند العرب الجنوبيين.
والعرب الجنوبيون وإن غلبت عليهم حياة السكن والاستقرار، غير أن زمانهم لم يتمكن من تحرير نفسه من قيود الحياة القبلية، ولم يكن من الممكن يالنسبة لهم الابتعاد عن الاحتماء بالعصبية القبلية وبعرف القبيلة، فالطبيعة إذ ذاك طبيعة حتمت على الناس التمسك بتلك النظم لحماية أنفسهم وللدفاع عن أموالهم حيث لا حق يحمي المرء غير حق العصبية القائم على أساس النسب والدم.
ويعبر عن القبيلة بلفظة "شعيم" و "شعبن" في العربيات الجنوبية. أي "قبيلةٌ" و "القبيلة"1 أما لفظة "القبيلة" فلم أعثر على وجود لها في كتابات المسند. فلعلها من الألفاظ الخاصة بأهل الحجاز ونجد. وأما ما دون "الشعب"، أي القبيلة في اصطلاحنا، فلم أقف على مسمياتها بالنحو الذي يذكره أهل الأنساب. و إنما تجد العرب الجنوبيين يقسمون القبيلة إلى أقسام، مثل "ربعن" أي "ربع" و "ثلثن" أي ثلث. ويريدون بذلك، ربع قبيلة وثلث قبيلة. وربما كانوا يقسمونها إلى أقسام أخرى، لم تصل أسماؤها الينا، ولعل الأيام ستزودنا بما كان العرب الجنوبيون يستعملونه من مصطلحات في النسب عندهم، وذلك قبل الإسلام بزمان طويل، وبالمصطلحات التي كانوا يطلقونها على فروع القبيلة في تلك الأوقات.
وبينما نجد أهل الأنساب ينسبون أهل الوبر وأهل المدر إلى أجداد، عاشوا
وماتوا، نجد المعينيين مثلاً، يستعملون جملة: "أولدهو ود"، أي "أولاد ودّ"، و "ودّ" هو إلَه شعب معين الأكبر، كما نجد السبئيين يطلقون على أنفسهم "ولد المقه"، اي أولاد الإله "المقه". والمقه كما سنرى فيما بعد، هو إله سبأ الأول. ونجد القتبانيين يدعون أنفسهم "ولد عم"، أي أولاد عم. ومعنى هذا، إن كل قبيلة من القبائل المذكورة، نسبت نفسها إلى إلهها الخاص بها واحتمت به، تماماً كما فعل العبرانيون وغيرهم، إذ نسبوا أنفسهم ، إلى إلَه قومي اعتبروه إلههم الخاص بهم، المدافع عنهم، والذي يرزقهم وينفعهم. وقد يعدّ هذا نسباً. أما نسب على النحو الذي يقصده و يريده أهل الأخبار، أي جد عاش ومات وله أولاد وحفدة، فهذا لم يصل خبره إلينا في كتابات المسند، بل في كل ما وصل إلينا من كتابات جاهلية حتى الآن.
الأنساب
وأقرب تفسير إلى أنساب العرب في نظري هو إن النسب، ليس بالشكل المفهوم المعروف من الكلمة، و إنما هو كناية عن "حلف" يجمع قبائل توحدت مصالحها، واشتركت منافعها، فاتفقت على عقد حلف فيما بينها، فانضم بعضها إلى بعض، واحتمى الضعيف منها بالقوي، وتولدت من المجموع قوة ووحدة، وبذلك حافظت تلك القبائل المتحالفة على مصالحا وحقوقها. قال البكري: "فلما رأت القبائل ما وقع بينها من الاختلاف والفرقة، وتنافس الناس في الماء والكلأ، والتماسهم المعاش في المتسع، وغلبة بعضهم بعضاً على البلاد والمعاش، واستضاف القوي الضعيف، انضم الذليل منهم إلى العزيز، وحالف القليل منهم الكثير، وتباين القوم في ديارهم ومحالّهم، و انتشر كل قوم فيما يليهم".
لقد حملت الضرورات قبائل جزيرة العرب على تكوين الأحلاف، للمحافظة على الأمن و للدفاع عن مصالحا المشتركة كما تفعل الدول. و إذا دام الحلف أمداً، وبقيت هذه الرابطة التي جمعت شمل تلك القبائل متينة، فإن هذه الرابطة تنتهي إلى نسب، حيث يشعر أفراد الحلف أنهم من أسرة واحدة تسلسلت من جد واحد، وقد يحدث ما يفسد هذه الرابطة، أو ما يدعو إلى انفصال بعض قبائل الحلف، فتنظم القبائل المنفصلة إلى أحلاف أخرى، وهكذا نجد في جزيرة العرب أحلافاً تتكون، وأحلافاً قديمة تنحل أو تضعف.
لم يكن في مقدور العشائر أو القبائل الصغيرة المحافظة على نفسها من غير حليف قوي، يشد أزرها إذا هاجمتها قبيلة أخرى، أو أرادت الأخذ بالثأر منها. لقد كانت معظم القبائل داخلة في هذه الأحلاف، إلا عدداً قليلا من القبائل القوية الكثيرة العدد، يذكر أهل الأخبار إنها كانت تتفاخر لذلك بأنفسها، لأنها لا تعتمد على حليف يدافع عنها، بل كانت تأخذ بثأرها وتنال حقها بالسيف. و يشترك المتحالفون في الغالب في المواطن، وقد تنزل القبائل على حلفائها، وتكون الهيمنة بالطبع في هذه للقبائل الكبيرة.
وقد عرفت مثل هذه الأحلاف عند سائر الشعوب السامية كالعبرانيين مثلاً، وطالما انتهت كما انتهت عند العرب إلى نسب، حيث يشعر المتحالفون انهم من أسرة واحدة يجمع بينهم نسب واحد. ويقال للحاف أيضاً "تحالف"، وضد اليمانين "تكلع".
ويرى "كولدتزيهر" إنه لفهم الأنساب عند العرب، لا بد من معرفة الأحلاف والتحالف فإنها أساس تكوّن أنساب القبائل، فإن هذه الأحلاف التي تجمع شمل عدد من البطون والعشائر والقبائل هي التي تكوّن القبائل والأنساب، كما إن تفكك الأحلاف وانحلالها يسبب تفكك الأنساب وتكوين أنساب جديدة ويرى أيضاً إن الدوافع التي تكوّن هذه الأحلاف لم تكن ناشئة عن حس داخلي بوجود قرابة وصلة رحم بين المتحالفين وشعور بوعي قومي، بل كانت ناشئة عن المصالح الخاصة التي تهم العشيرة كالحماية والأخذ بالثأر وتأمين المعيشة. ولذا نجد الضعيف منها يفتش عن حليف قوي، فانضمت "كعب" مثلاً إلى "بني مازن" وهم أقوى من "كعب"، وانضمت "خزاعة" إلى "بني مدلج"، كما تحالفت "بنو عامر" مع "اياد" وأمثلة أخرى عديدة. ولما كانت المصالح الخاصة هي العامل الفعال في تأليف الأحلاف، كان أمد الحلف يتوقف في الغالب على دوام تلك المصالح. وقد تعقد الأحلاف لتنفيذ شروط اتفق عليها، فمتى نفذت أو تلكأ أحد الطرفين في التنفيذ انحل الحلف. وتعد هذه الناحية من النواحي الضعيفة في التأريخ العربي، فإن تفكير القبائل لم يكن يتجاوز عند عقدهم هذه الأحلاف مصالح العشائر أو القبائل الخاصة، لذلك نجدها تتألف للمسائل المحلية التي تخص القبائل، ولم تكن موجهة للدفاع عن جزيرة العرب و لمققاومة أعداء العرب. ولا يمكن أن نطلب من نظام يقوم على العصبية القبلية أن يفعل غير ذلك. فإن وطن القبيلة ضيق بضيق الأرض التي تنزل فيها، فإذا ارتحلت عنها و نزلت في أرض جديدة، كانت الأرض الجديدة المواطن الجديد، الذي تبالغ القبيلة في الدفاع عنه. و لما كانت هذه النزعة الفردية هي هدف سياسة سادة ا لقبائل، أصبحت من أهم العوائق في تكوين الحكومات المدنية الكبيرة في جزيرة العرب، ومن أبرز مظاهر الحياة السياسية قبل الإسلام.
خذ اختلاف النسابين في نسب بعض القبائل وتشككهم فيه، فأنه في الواقع دليل قوي يؤيد هذا الرأي، فقد اختلف في نسب "أنمار" مثلاً. فمنهم من عدها من ولد "نزار"، ومنهم من أضافها إلى اليمن. والذين يضيفونها إلى "نزار" يقولون إن انماراً من نزار، وأنمار هو شقيق ربيعة ومضر وإياد، فهو أحد أبنا نزار. دخل نسله في إليمن، ر فأضيفوا إليه، ومن هنا حدث هذا الاختلاف. أما اليمانية، فانهم يرون إن أنماراً هو منهم، وقد كان أحد ولد "سبأ" العشرة. فهو عندهم شقيق لخم وجذام وعاملة وغسعان وحمير والأزد ومذحج وكنانة والأشعرين ويرون أن بجيلة، وخثعماً من أنمار. ويستدلون على ذلك بحديث ينسبونه إلى الرسول.
وأما الذين يرجعون نسبه إلى "نزار" فيستدلون على نسبه هذا بحديث ينسبونه إلى الرسول أيضاً. وفي الجملة لا يهمنا هنا موضوع نسب "انمار" أكان في اليمن أم كان في نزار، و إنما الذي يهمنا أن الأحلاف تؤثر تأثيراً كبيراً في نشوء النسب، فلولا دخ ول أنمار في اليمن ونزولها بين قبائل يمانية، لما دخل نسبها في اليمن. ولولا دخول أنمار في قبائل عدنانية وتحالفها معهما لما عدها النسابون من نزار، ولما عدّوا انماراً ابناً من أبناء نزار الأربعة. فاختلاط "انمار" في اليمن وفي نزار وترددها بين الجماعتين هو الذي أوقع النسابين في مشكلة نسبها.
وطالما دفعت الحروب القبائل المغلوبة على الخضوع لسيادة القبائل الغالبة وقد تتحالف معها وتدخل في جوارها،و إذا دام ذلك طويلاً، فقد يتحول الحلف و الجوار إلى نسب. ثم إن تقاتل القبائل بعضها مع بعض يؤدى أحياناً إلى ارتحال بعض هذه القبائل المتقاتلة إلى مواطن جديدة فتنزل بين قبائل أخرى، وتعقد معها حلفاً وتجاورها ومنى طال ذلك صار نسباً، كالذي ذكره أهل الأنساب من نزوح قبائل عدنانية إلى اليمن بسبب تقاتلها بعضها مع بعض، مما أدى إلى دخول نسبها في اليمن، و كالذي ذكروه أيضاً من نزوح قبائل يمانية نحو الشمال واختلاطها بقبائل عدنانية مما أدى إلى دخول نسبها في نسب تلك القبائل.
ونجد في كتب الأنساب والأخبار أمثلة كثيرة على اختلاط أنساب قبائل معروفة في عدنان وفي قحطان، كما رأيت فعل السياسة في تكييف النسب في مصدر الإسلام وفي عهد الدولة الأموية وتنظيمه، كما رأيت كيف أن بعض النسابين ينسبون قبيلة إلى أب قحطاني على حين ينسبها بعض آخر إلى أب عدناني، وكيف أن نسابي القبيلة كانوا يرون رأي آخر. وقد رأيت كيف أن بعض مم رجع نسب ثقيف إلى "ثمود" بغضاً للحجاج الذي كان من ثقيف، ورأيت أيضاً اختلاف النسابين فيما بينهم في رسم شجرات الأنساب.
لقد وقع هذا الاختلاف لعوامل عديدة سياسية وجغرافية وعاطفية، لا يدخل البحث فيها في هذا المكان.
هذا وقد رج ح "ابن حزم" جميع قبائل العرب إلى أب واحد، سوى ثلاث قبائل، هي: تنوخ، والعتق، وغسان.، فإن ى ل قبيلة منها مجتمعة من عدة بطون. وقد نص غيره من أهل النسب على إن تنوخاً اسم لعشر قبائل، اجتمعوا وأقاموا بالبحرين، فسموا تنوخاً. وذكر بعض آخر إن غسان عدة بطون من الأزد، نزلت على ماء يسمى غسان، فسميت به. فترى من هنا إن تنوخاً والأزد حلف في الأصل، وقد صار مع ذلك سبباً عند كثير من أهل الأخبار.
وبين أجداد القبائل والأسر الذين يذكرهم أهل الأنساب، أجداد كانوا أجداداً حقاً، عاشوا وماتوا. وقد برزوا بغزواتهم وبقوة شخصياتهم، وكونوا لقبائلهم وللقبائل المتحالفة معها أو التابعة لها مكانة بارزة، جعلها تفتخر بانتسابها إليهم، حتى خلد ذلك الفخر على هيأة نسب. ونجد في كتب الأنساب أمثلة عديدة لهؤلاء.
"الطوطمية" ودور الأمومة عند العرب
وقد لاحظ العلماء المحدثون إن بين أسماء القبائل، أسماء هي أسماء حيوان أو نبات أو جماد أو أجرام فلكية. كما لاحظوا إن بين المصطلحات الواردة في النسب مصطلحات لها علاقة بالجسم وبالدم. و قد وجدوا إن بين هذه التسميات والمصطلحات وبين البحوث التي قاموا بها في موضوع دراسة االمجتمعات البدائية صلة وعلاقة. وان للتسميات المذكورة صلة وثيقة ب "الطوطمية"، كما إن للمصطلحات صلة. بما يسمى ب "دور الأمومة" أو "زواج الأمومة"عند علماء الاجتماع.
والطوطمية نظرية وضعها "ماك لينان" "م كلينان" المتوفى سنة 1881 م، خلاصتها: 1 - إن الطوطمية دور مرّ على القبائل البدائية، وهي لا تزال بين أكثر الشعوب إغراقاً في البدائية والعزلة.
2 - إن قوامها اتخاذ القبيلة حيواناً أو نباتاً، كوكباً أو نجماً أو شيئاً. أخر من الكائنات المحسوسة أباً لها تعتقد إنها متسلسلة منه وتسمى باسمه.
3 - تعقد تلك القبائل إن طوطمها يحيها ويدافع عنها، أو هو على الأقل لا يؤذيها وان كان الأذى طبعه.
4 - لذلك تقدس القبيلة طوطمها وتتقرب إليه وقد تتعبد له.
5 - الزواج ممنوع بين أهل الطوطم الواحد، ويذهبون إلى الزواج من قبائل غريبة عن قبيلة الطوطم المذكور. وهو ما يعبر عنه ب "Exogamy" في اللغة الإنكليزية. إذ يعتقدون إن التزاوج من بين أفراد القبيلة الواحدة ذو ضرر بالغ، ومهلك للقبيلة، لذلك يتزوج رجال القبيلة نساءً من قبيلة أخرى غريبة، لا ترتبط بطوطم هذه القبيلة، والمخالف لهذه القاعدة، أي الذي يتزوج امرأة من قبيلته يعرض نفسه للعقوبات قد تصل إلى الحكم عليه بالموت.
6 - الأبوة غير معروفة عند أهل الطوطم، و مرجع النسب عندهم إلى الأم.
7 - لا عبرة عندهم إلى العائلة، والقرابة هي قرابة الطوطم، فأهل الطوطم الواحد اخوة و أخوات يجمعهم دم واحد.
والطوطمية "Totemism"، لفظة أخذت من كلمة "Ototemom"، وهي من كلمات قبيلة "Ojibwa" من قبائل هنود أمريكا. اشتق منها "لانك" "J. Lang" كلمة "توتم" "Totem"، ومنها أخذ اصطلاح "طوطمية" "توتميسم" "Totemism" الذي يعني اعتقاد جماعة بوجود صلة لهم بحيوان أو حيوانات تكون في نظرها مقدسة، ولذلك لا يجوز صيدها أو ذبحها أو قتلها أو أكلها أو إلحاق أذى بها. وتشمل الطوطمية النباتات كذلك، فلا بجوز لأفراد الجماعة التي تقدسها قطعها أو إلحاق الأذى بها. وقد يتوسع بها فتشمل بعض مظاهر الطبيعة مثل المطر والنجوم والكواكب.
وهم يؤمنون بأن "الطوطم" لا يؤذي أتباعه. فلا يخافون منه، حتى وإن كان من الحيوانات المؤذية، التي تلحق الأذى بالإنسان، كالحية أو العقرب أو الذئب. وهم يعتقدون أيضاً انه يدفع عنهم، وأنه ينذر أتباعه إن أحس بقرب وقوع خطر على أتباعه، وذلك بعلامات و إشارات على نحو ما يقال له الزجر والطيرة والفأل.
وهم يتقرب ون إلى طوطمهم، محاولة منهم في كسب رضاه، فيقلدونه في شكله ومظهره، وقد يلبسوا جلده أو جزءاً من جلده، أو يعلقون جزءاً منه في أعناقهم أو أذرعهم على نحو من التعاويذ. لأنه يحميهم بذلك ويمنع عنهم كل سوء. كما يحتفلون وبالمناسبات مثل مناسبات الولادة أو الزواج أو الوفاة بنقش رمز الطوطم على ظهر المولود، أو دهن الجسم بدهن مقدس من دهان ذلك الطوطم إلى آخر ما هنالك من أعراف وتقاليد.
ويؤلف المعتقدون بالطوطم جماعهّ تشعر بوجود روابط دموية بين أفرادها، أي بوجود صلة رحم بينها. والرابط بينها هو ذلك الطوطم الذي تنتمي الجماعة إليه وتلتف حوله، ليكون حاميها والمدافع عنها في الملمات. ومن أصحاب هذا المذهب من لا يذكر اسم الطوطم، بل يُكنى عنه. ويجوز أن يكون ذلك خوفاً منه، أو احتراماً له. وقد يرسم له شعار تحمله الجماعة وأفرادها. ولها قوانين وآراء في موضوع الزواج الذي تترتب عليه قضية القرابة وصلات الرحم.
و للعلماء نظريات وآراء في الطوطمية. وفي منصبّة على دراسة الناحية الاجتماعية منها، من حيث كون " الطوطمية " نظاما اجتماعياً يقوم على أساس مجتمع صغير مبني على العشيرة أو القبيلة. أما الدراسات الدينية للطوطمية، فهي بعد هذه الدراسة من حيث التوسع والتبسط في الموضوع. وأكثر هذه الدراسات أيضاً عن قبائل هنود أمريكا الشمالية و عن قبائل اوستراليا ثم أفريقية. أما اثر الطوطمية عند الشعوب القديمة مثل اليونان والشعوب السامية فإن بحوث العلماء في المراحل الأولى من البلاد، وهي مستمدة بالطبع من الإشارات الواردة في الكتابات أو المؤلفات أو من دراسات الأسماء.
ومن أشهر أصحاب النطريات في موضوع الطوطمية "تيلر" "Sir E. B. Tylor" و "سير جيمس فريزر" "Sir J. G. Frazer"، و هذا الأخير يرفض نظرية الذاهبين إلى إن الطوطمية في شكلها الأول هي ديانة؛ لأن الطوطم لا يعبد كما يقول على صورة صنم.
ومن أسماء الحيوانات التي تسمت بها البطون والعشائر: كلب، وذئب، ودبّ، وسلحفاة، ونسر، وثعلب، و هرّ، وبطة، وثور، وغير ذلك من أسماء حيوانات تختلف بحسب اختلاف المحيط الذي تكون فيه.عبدة الطواطم. يضاف إلى ذلك أسماء أشجار ونباتات أخرى وطائفة من أسماء الأسماك. وقد ذكر "بيتر جونس Peter Jones" أربعين بطناً من بطون قبيلة ال "Ajibwa" لها أسماء حيوانات.
وقد لاحظ "روبرتسن سمث" "Robertson Smith" إن في أسماء القبائل عند العرب أسماء كثيرة هي أسماء حيوان أو نبات أو جماد. فاتخذ من هذه الأسماء دليلاً على وجود "الطوطمية" عند العرب، و على أثرها في الجاهليين.
فاًسماء مثل: بني كلب، وبني كليب، والنمر، والذئب، والفهد، والضبع والدب، والوبرة، والسيد، والسرحان، و بكر، وبني بدن، وبني أسد، وبني يهثة، وبني ثور، وبني جحش، وبني ضبّة، وبني جعل، وبني جعدة، وبني الأرقم، وبني دُئل، وبني يربوع، و قريش، وعنزة، وبن حنش، وبن غراب، وبني فهد، وبني عقاب، وبرني أوس، وبني حنظلة،، وبني عقرب، و بني غنم، وبني عفرس، وبني كوكب، وبني قنفذ، وبني الثعلب، والسيد، وبي قنفذ، وبني عجل، وبني انعاقه، وبني هوزن، وبني ضب، وبني قراد، وبني جراد، وما شاكل ذلك من أسماء، لا يمكن في نظره إلا أن تكون أثراً من أثار الطوطمية، ودليلاً ثابتاً واضحاً على وجودها عندهم في القديم.
وقد لاقى تطبيق روبرتسن سمث نظربة "الطوطمية" على العرب الجاهليين، ترحيباً عند بعض المستشرقين، كما لاقى معارضة من بعضهم. وقد رد عليه "جرجي زيدان" في كتابه "تاريخ التمدن الإسلامي"، وبيّن أسباب اعتراضه على ذلك التطبيق.
دور الأمومة
واتخذ "روبرتسن سمث" من تسمي بعض القبائل بأسماء مؤنثة مثل: "مدركة" "وطابخة" و "خندف" و "ظاعنة" و "قيلة" و "جديلة" و "مُرّة" و "عطيّة"، وأمثالها، دليلاً على وجود ما يسمى ب "دور الأمومة" عند العرب. وهو دور لم يكن للنساء فيه أزواج معيّنون، لأن الزواج لم يكن فيه بالمعنى المفهوم من الزوجية عندنا، بل كان الرجل بجتمع بالمرأة ثم يتركها ليجتمع بامرأة أخرى، و هكذا تكون المرأة قد اتصلت بجملة رجال، كما يكون الرجل قد اتصل بجملة نساء. و إذ كانت المرأة لم تكن تعرف زوجها الذي نَجَلَ مولودها، ولا يعرف المولود والده نُسب، إلى أمه و عرف بها. وبهذا التفسير، فسمر "روبرتسن سمث" ومن ذهب مذهبه من علماء علم الاجتماع، وجود الأسماء المؤنثة عند العرب وعند العبرانيين وعند بقية الساميين.
واتخذ "روبرتسن سمث" من وجود بعض الكلمات في تسلسل أنساب القبائل مثل: البطن و الفخذ والصلب والظهر والدم و "رحم"، دليلاً آخر على وجود "دور الأمومة" عند العرب، لأن هذه الألفاظ صلة بالجسم، ولهذا كان إطلاقها عند قدماء العرب - على حد قوله - علاقة بجسم الأم. ولا سيما أنهم استعملوا لفظة "الحي" كذلك. ولهذه الفظة علاقة بالحياة وبالدم. و إطلاق الألفاظ في نظره ورأيه على معان اجتماعية، دليل على الصلة التي كانت للام في المجتمع لذلك العهد.
وقد بحث "روبرتسن سمث" بحثاً مفصلاً في الحي، إذ هو في نظره وحدة سياسية واجتماعية قائمة بذاتها. ويطلق على "الحي" لفظة "قوم" و"أهل". وينظر أبناء الحي الواحد بعضهم إلى بعض نظرة قرابة كأنهم من نسل واحد يربط بينهم دم واحد. وقد استدل "روبرتسن سمث" من معنى "الحي" على وجود معنى الحياة في الكلمة في الأصل، كما هو الحال في اللغات السامية، ورأى لذلك إنها يمثل رابطة قرابة وصلة دم عند سائر العرب السامية. ويكون أعضاء الحي الأحرار "صرحاء"، وفي العبرانية "أزراح" 0 أما الذي ينتمون إليه بالولاء، فهم "الموالي" يستجيرون به أو بالقبائل أو الأفراد، فييلقون حماية من يستجيرون بهم، ويكون "الجار" في رعاية مجيره.
و "البطن" في نظر "روبرتسن سمث" هو أقدم أوضاع المجتمع السامي القديم، ويقوم على أساس الاعتقاد بوجود القرابة والروابط الدموية. ويرى أن مفهومه عند قدماء الساميين كان يختلف اختلافاً بّيناً عنه عند العرب المتأخرين، أو عند العبرانيين" أو غيرهم. وقد فهم من اللفظة معنى المجموع الأكبر عند العرب، أي معنى "شعب" أو "جذم" أو قبلية، ورأى إن هذا المعنى هو المعنى القديم للكلمة عند العرب. أما المعاني التي تذكرها علماء اللغة والأدب والأخبار،فهي في نظره معان متأخرة وضعت في الجاهلية القريبة من الإسلام، ومن جملة هذه المعاني اختصاصها بالأماكن التي تقيم فيها القبيلة أو العشرة، وتتألف من جملة عدد من الدور.
وقد استدل "روبرتسن سمث" من لفظ ة "البطن" و "الفخذ" وأمثالهما على مرور العرب في دور الأمومة، وعلى أن القبائل كانت قد أخذت أنسابها القديمة وأسمائها من الأمومة ومن "الطومية". ورأى أن كلمة "البطن" في الأصل كانت تعني معنى آخر غير الذي يذهب إليه علماء الأنساب، ودليله على ذلك استعمال "رحم".
ول "روبررتسن سمث" بجوث في طرق الزواج عند قدماء العرب، سأتحدث عنها في موضوع الزواج والطلاق عند الجاهليين في القسم الخاص بالحياة الاجتماعية عند العرب و بالتشريع.
وقد أشار "نولدكه" Noeldeke إلى أهمية تأنيث أسماء القبائل، فاتخذ القاثلون بنظرية "الأمومة" من هذه الأسماء دليلاً على أهمية هذا العهد في التأريخ الجاهلي القديم.
وقد وافق "ويلكن" "G.A. Wilken" على بعضأراء "روبرتسن سمث"، و خالفه في بعض الآراء.
ومن واضعي نظرية الأمومة العالم الألماني السويسري "باخ أوفن" "Johann Jakob Bachofen" "1815- 1887م"، و هو من علماء القانون ومن مؤسسي "علم القانون المقارن"، وكان معروفاً بأبحاثه عن الأشياء الخفية التي تؤثر في حياة الإنسان. وقد ذهب إلى أن تأريخ العالم صراع بين الروح والمادة، بين الذكر والأنثى، وأن الحياة الأرضية مزيج من هذين الكفاحين. وقد لفت نظره إلى الزواج باعتبار إنه ناحية من النواحي القانونية، وتعرض لمباحث الزواج عند الإنسان القديم، و لفوضوية الزواج، حيث كان الرجل يتناول المرأة بغير عقد، كما تفعل الحيوانات، ولاشتراك عدد من الرجال في امرأة واحدة، "Hetarische Gynaikokratie"، فلا يعرف فيه النسل من أي أب هو، و إذا بقي في رعاية أمه، فنسب إليها: وهو زواج مرَّ على جميع الشعوب. كما بحث عن الأديان البدائية وعلاقتها بأمثال هذا الزواج.
ويحب أن نضيف إلى تلك الفوضوية فوضوية أخرى، هي فوضوية الغزو وتقاتل الإنسان مع الإنسان و إباحة المدن والقرى للجيوش الغازية المنتصرة، يعيثون فيها وفي أهلها فساداً، يؤدي إلى انتهاك الحرمات واستباحة الأعراض وتوالد أطفال ليس في مقدور أمهاتهم معرفة آبائهم، فلا يبقى لهم من مجال إلا الانتساب إلى الأمهات.
ودور الأمومة عند أصحاب هذه النظرية، هو أقدم أنواع الزواج. و أما "الأبوة" أي دور الزواج الذي عرف النسل فيه آباءهم فهو عندهم أحدث عهداً من الأمومة، وقد زعموا أن هذين الدورين مرّ ا على البشرية جمعاء، وفيهم العرب. وفي دور الأمومة تكون القرابة فيه لصلة الرحم، أي إلى الأم، فهو الرباط المقدس المتين الذي يربط بين الأفراد ويجمع شملهم، وهو نسبهم الذي إليه ينتمون. في هذا الدور لا يمكن أن يعرف فيه الانتساب إلى الأب، لسبب عادي هو عدم إمكان معرفة الأب فيه. ولهذا كان نسب النسل في " حتماً للأم. وكان نسب الجماعات فيه أيضاً للأم. ومن هذه الجماعات القبائل. وهم يرون أن تسمي القبائل بأسماء رجال، بأن تجعلهم أجدادا وآباءً، هي تسميات محدثة ظهرت بعد ظهور دور الأموة، و تطور الزواج من زواج الفوضى أو زواج تعدد الرجال إلى زواج حدد فيه على المرأة التزوج برجل واحد ليس غير، يكون فيه بعلهاالذي تختص به. ومن هنا اندثرت الأسماء القديمة، أي أسماء الإناث في الغالب، و حلت محلها أسماء الذكور. وسيأتي الكلام على موضوع أشكال الزواج عند العرب في موضعه من هذا الكتاب.
هذا، وقد بحث "جرجي زيدان" في نظرية "الأمومة" عند العرب وردّ عليها بتفصيل.
أصول التسميات
وقد الف "ابن دريد الأزدي" كتاباً في اشتقاق الأسماء عند العرب، سماه "كتاب الاشتقاق"، تحدث فيه عن أصول الأسماء واشتقاقها، وذلك رداً على من زعم إن العرب تسمي بما لا أصل له في لغتهم، فذكر اشتقاق تلك الأسماء. وقد قال في مقدمته له: "كان الأميون من العرب... لهم مذاهب في أسماء أبنائهم وعبيدهم وأتلادهم. فاستشنع قوم إما جهلاً وإما تجاهلاً تسميتهم كلباً، وكليباً، وأكلب، وخنزيراً، وقرداً، وما أشبه ذلك مما لم يستقص ذكره. فطعنوا من حيث لا يجب الطعنن، وعابوا من حيث لا يستنبط عيب.. وكان الذي حدانا على إنشاء هذا الكتاب، إن قوماً ممن يطعن على اللسان العربي وينسب أهله إلى التسمية بما لا أصل له في لغتهم، وإلى ادعاء ما لم يقع عليه اصطلاح من أوليتهم وعدّوا أسماء جهلوا اشتقاقها، ولم ينفذ علمهم في الفحص عنها".. إلى إن قال: "واعلم إن للعرب مذاهب في تسمية أبنائها فمنها ما سموه تفاؤلاَ على أعدائهم نحو: غالب، وغلاب، وظالم، وعارم، ومنازل ومقاتل، ومعارك، وثابت و نحو ذلك. وسموا في مثل هذا الباب مسهراً، ومؤرقاً، ومصبحاً، ومنبهاً، وطارقاً. ومنها ما تفاءلوا به للأبناء نحو: نايل، ووايل، و ناج، و مدرك، و درّاك، وسالم، وسليم، ومالك، وعامر، وسد، وسيد، ومسعدة، وأسعد، وما أشبه ذلك. ومنها ما سمي بالسباع ترهيباً لأعدائهم نحو: أسد، وليث، وفراس، وذئب، وسيد، وعملس، وضرغام، وما أشبه ذلك. ومنها سمي بما غلظ وخشن من الشجر تفاؤلاً ايضاً، نحو: طلحة، وسمرة، وسلمة، وقتادة، وهراسة، كل ذلك شجر له شوك و عضاة. ومنها ما سمي بما غلط من الأرض. وخشن لمسه وموطئه، مثل: حجر، وحجير، و صخر، وفهر، وجندل، و جرول، وحزن، وحزم. ومنها إن الرجل كان يخرج من منزله وامرأته تمخض فيسمي ابنه بأول ما يلقاه من ذلك، نحو: ثعلب، وثعلبة، وضب، وضبة، و خزز، و ضبيعة، و كلب، و كليب، وحمار، و قرد، وخنزير، و جحش، وكذلك أيضاً يسمى بأول ما يسنح أو يبرح من الطير، نحو: غراب، وصرد، وما أشبه ذلك.. خرج وابل بن قاسط وامرأته تمخض، وه و يريد أن يرى شيئاً يسمي به، فإذا هو ببكر قد عرض له، فرجع وقد ولدت اه غلاماً، فسماه بكراً، ثم خرج خرجة أخرى وهي تمخض، فرأى عنزاً من الظباء، فرجع وقد ولدت غلاما فسماه، عنزاً.. ثم خرج خرجة أخرى، فإذا هو بشخيص قد ارتفع له ولم يتبينه نظراً، فسماه الشخيص.. ثم خرج خرجة أخرى، وهي تمخض، فغابه أن يرى شيئاً، فسماه تغلب.. خرج تميم بن مرّ وامرأته سلمى بنت كعب تمخض، فإذا هو بواد قد انبثق عليه لم يشع ر به، فقال: الليل والسيل، فرجع وقد ولدت غلاماً، فقال: لأجعلنه لإلهي، فسمّاه زيد مناة، ثم خرج خرجة أخرى، وهي تمخض، فإذا هو بمكاء يغرد على عوسجة قد يبس نصفها وبقي نصفها، فقال لئن كنت قد أثريتِ وأسريتِ لقد أجحدت وأكديت، فولدت غلاماً فسماه الحرث"...
قيل لأبي الدقيش الاعرابي: "لم تسمون أبناكم بشر الأسماء نحو كلب وذئب، وعبيدكم بأحسنها نحو مرزوق ورباح?"، فقال: "إنما نسمي أبناءنا لأعدائنا وعبيدنا لأنفسنا". وتعرض الجاحظ لهذا الموضوع أيضاً، فقال: "والعرب إنما كانت تسمي بكلب وحمار وحجر وجعل وحنظلة وقرد على التفاؤل بذلك. وكان الرجل إذا ولد له ذكر، خرج يتعرض لزجر الطير والفأل، فإن سمع إنساناً يقول حجر أو رأى حجراً، سمى ابنه به وتفاءل فيه الشدة والصلابة والبقاء والصبر وانه يحطم ما لقي، وكذلك إذا سمع إنساناً يقول ذئب أو رأى ذئباً تأول فيه الفطنة والمكر والكسب، وإن كان حماراً تأول فيه طول العمر والوقاحة والقوة والجلد، وان كان كلباً تأول فيه الحراسة واليقظة وبعد الصوت والكسب". ويظهر مما تقدم أن موضوع التسميات عند العرب كان من الموضوعات التي لفتت إليها الأنظار، لما في كثير منها من غرابة وخروج على المألوف، فانبرى بعضالعلماء في شرح الأسباب التي أدت بالعرب إلى اتخاذ تلك التسميات، وإلى ذكر العلل التي دفعتهم عليها كالذي نراه في بحث "ابن دربد" في كتابه "الاشتقاق"، حيث ذكر في مقدمته كل الأسباب التي رآها وتوصل إليها في بحثه عن هذا الموضوع، الذي أثار جانباً منه "رويرتسن سمث" وغيره من المستشرقين.
كما سموا بعبد العزى، و عبد ود وعبد مناة وعبد اللات و عبد قسي و نحو ذلك، مما فيه إضافة العبودية لأحد الأصنام.
والمتعارف عليه في الإسلام، هو إرجاع النسب إلى الأب. أما الانتساب إلى الأم،فانه قليل الوقوع. ولهذا يعد الرجل عربياً إذا كان والده عربياً، لا يؤثر فيه نسب أمه إن كانت أعجمية. أما قبل الإسلام، فإن النسب وإن كان تابعاً لنسب الأب، إلا أنه قد يلاحق الولد بالأم. وبالرغم من هذا العرف، فإن العرب في الماضي وفي الحاضر يقيمون وزناً كبيراً لدم الأمهات، بل قد تزيد أهميته عندهم على أهمية دم الأب. والمثل العراقي العامي "ثلثين الولد على الخال"، خير تعبير عن وجة نظرهم تلك، فإنه يمثل نزعة عرق الخال. وهي من النزعات التي أقام لها الجاهليون وزناً كبيراً عندهم.
أما وجهة نظر العلم الحديث، فإن لدم الأبوين أثراً متساويا في المولود. وهذا فان موضوع النسب إلى الأب أو الأم، موضوع لا يعالج عنده بالعرف والعادة، بل يعالج وفق قواعد العلم المقررة لديه. وبناءً على ذلك يجب أن نقيم وزناً لموضوع التزاوج المختلط بين العرب والغرباء، وقد كان معروفاً وشائعاً في الجاهلية أيضاً، إذ تزوجوا من الرقيق، ولاسيما الرقيق الأبيض ونسلوا منه، كما سكن في جزيرة العرب آلاف من الغرباء قبل الإسلام واندمجوا في أهلها. وتركوا أثراً في دماء أهلها، يختلف باختلاف مقدار الاختلاط. ويتبين ذلك وضوح في سحن سكان السواحل، لأنهم أكثر عرضة للاختلاط من أبناء البواطن والنجاد.
ولا تختلف أسماء القبائل العربية في طبيعتها عن طبيعة أسماء القبائل عند الشعوب الأخرى، ولا سيما قبائل الشعوب المسماة: الشعوب السامية. فهي أسماء آباء وأجداد ترد غالبا في شكل أسماء ذكور، وترد في الأقل في صورة أسماء نساء، وتعدّ عندئذ أسماء أمهات، أي أمهات قبائل، وهي كما قلت قبل قليل ليست أسماء أعيان بالضرورة، فبينها أسماء مواضع نسب سكانها إليها، فصارت بمرور الزمن جداً، وأباً، أو أماً. وبينها أسماء آلهة و اصنام، تعلق المؤمنون بها حتى نسبوا إليها، وبينها أسماء طواطم. ونجد بن أسماء القبائل العربية أسماء ترد عند العبرانيين وعند غيرهم من الشعوب السامية أعلاماً لقبائل كذلك، وقد يكون من المفيد جداً دراسة هذه الأسماء ومقابلتها بعضها ببعض، ودراسة أسماء القبائل العربية دراسة مستفيضة لمعرفة أصولها وتطورها ومراجعة الموارد الأعجمية والكتابات الجاهلية للعثور على تلك الأسماء فيها وتعيين زمن ظهور الاسم فيها لأول مرة.
يتبع






 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التوقيع :


كـــــــــــــــــــــــــــنعان
آخر تعديل ابو رامى2 يوم 30 / 06 / 2013 في 01:58 AM.
رد مع اقتباس

 

إضافة رد

العلامات المرجعية

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT +4. الساعة الآن 01:43 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
Ads Management Version 3.0.0 by Saeed Al-Atwi
جميع ما يذكر بالمنتدى يعبرعن رأي أصحابه و ليس بالضرورة يوافق رأي إدارة الموقع